صباح بشير: لمحة عن كتاب “نافذتي تطلّ على” للدكتور خالد تركي

صباح بشير
يشكّل كتاب “نافذتي تطلّ على” للدّكتور خالد تركي، الصّادر في طبعته الأولى في مائتين وتسعين صفحةً من القطع الكبير، وثيقةً تجمع بين الشّغف بالقراءة والحرص على توثيق الذّاكرة الجمعيّة.
يضمّ هذا العمل الّذي صمّمه شربل الياس ولوحة غلافه للدّكتورة ربى خالد داوود، باقةً من المقالات الّتي صاغها الكاتب عن مؤلّفاتٍ متنوّعةٍ، تابعها واستعرضها، مُتَّبِعًا نمطًا موحّدًا في العناوين، يبدأ كلّ منها بعبارة “نافذتي تطلّ على” يتلوها اسم العمل المدروس، كما يُفرِد قسمًا خاصًّا يجمع المقالات الّتي كُتِبَت عن إصداراته بأقلام كتّابٍ آخرين (الصّفحات 251–286) ومنهم: محمود شقير، رشيد عبد الرّحمن النّجاب، نضال الحايك، ماجد خمرة، إسكندر عمل وسميح أحمد يونس، وبذلك يقدّم العمل نموذجًا للتّبادل الثّقافيّ بين الكاتب ومحيطه الأدبيّ.
في هذا الكتاب، يحظى الأديب محمود شقير بحضورٍ بارزٍ عبر مقالين. في المقال الأوّل المعنون: “نافذتي تطلّ على قراءاتٍ في بعض تجلّيات السّيرة الفلسطينيّة” (ص 9)، يتناول الكاتب سيرته النّضاليّة والأدبيّة بمناسبة إشهار كتابه في نادي حيفا الثّقافيّ، إذ يستعرض محطّات فارقة من حياته، انطلاقًا من مسقط رأسه في القدس، مرورًا بنشاطه السّياسيّ وما تحمَّله من إبعادٍ خارج الوطن، وصولاً إلى ثباته وعودته، وبين السّطور تبرز المركزيّة الرّوحيّة والوطنيّة لمدينة القدس في أدب شقير، وكيف اتّخذ من حاراتها وأزقّتها وسيلة لتأكيد هوية الأرض ومواجهة المقولات المضلّلة، ونشر قيم التّعدّديّة والتّعايش الدّينيّ والإنسانيّ. كما تظهر التّقاطعات الفكريّة الّتي تجمع بين تركي وشقير في حرصهما على توثيق سِيَر القادة والمناضلين لحماية الذّاكرة، مع الإشادةِ باهتمام شقير بأدب الأسرى والرّسائل، وتقديره لرمزيّة المرأة ودورها في الكفاح، وإسهاماته الغزيرة في أدب الأطفال والقصّة والرّواية.
أمّا المقال الثّاني المتّصل بشقير فهو “نافذتي تطلّ على رواية منزل الذّكريات” (ص 22) الصّادرة عام 2024، إذ يبرز الكاتب تشابك معاناة الشّعب الفلسطينيّ تحت الاحتلال مع الظّلم الاجتماعيّ المتمثّل في الفساد والعنف والتّطرّف.
يتتبّع المقال رحلة البطل “محمّد الأصغر” الّذي يفقد زوجته ويقع ضحيّة ابتزاز، ويتقاطع مع أدبيّات عالميّة كروائع كواباتا وماركيز، مع استحضارٍ رمزيٍّ لشخصيات مثل سيمون بوليفار، مؤكّدًا الحتميّة التّاريخيّة لزوال الاحتلال وانبثاق فجر الحرّيّة والكرامة، ومقدّرًا صمود المقدسيّين وتمسّكهم بأرضهم.
يقف الدّكتور تركي عند رواية “رحلة إلى ذات امرأة” لصباح بشير (ص 59)، مستعرضًا أحداثها الّتي تدور في مدينة القدس إبّان الانتفاضة الأولى، إذ يتداخل الهمّ الوطنيّ بالهمّ الاجتماعيّ، ويرصد هذا العرض محطّات الفقد والنّضال؛ بدءًا من استشهاد “خالد” وصمود أمّه الأرملة، وصولاً إلى المعاناة المركّبة الّتي عاشتها البطلة “حنان” بسبب قسوة المجتمع الذّكوريّ، والنّظرة القاصرة للمرأة، مع إبراز قوة الصّداقة والدّعم الأبويّ اللّذين شكّلا سندًا لها، فيسلّط الضّوء على أبعاد القضيّة النّسويّة الّتي ناقشتها الرّواية، مؤكّدًا أنّ حرّيّة المجتمع وتطوّره ينبعان من إنصاف المرأة، وتثقيفها، ونيلها حقوقها ومساواتها بالرّجل. ويتابع مسار البطلة بين انكسارات الغربة ومأساة فقد الزّوج، وصولاً إلى قرارها الشّجاع بالعودة إلى الوطن، والانتصار لذاتها واستقلالها الفكريّ.
يتّجه الكاتب بعد ذلك إلى أدب البحر والتّوثيق التّراثيّ من خلال قراءة وجدانيّة وتأمّلية يقدّمها (ص 78) لكتاب رفيقه وزميل دراسته المحامي فؤاد نقّارة، رئيس ومؤسّس نادي حيفا الثّقافيّ، والموسوم بـ “صيّاد.. سمكة وصنّارة”. يبدأ قراءته بالحديث عن أواصر الصّداقة الّتي تجمعه بنقّارة منذ مقاعد الدّراسة في الكلّيّة العربيّة الأرثوذكسيّة بحيفا، ثمّ ينقلنا إلى إهداء الكتاب ومحتواه الّذي يعكس عشق البحر وجماليّات الصّيد الموروثة عن والد المؤلّف، مظهرًا قدرة نقّارة على دمج المعرفة البحريّة الموثّقة بالصّور والطّوابع البريديّة مع اللّمسة الإنسانيّة، مستحضرًا الأسماء الشّعبيّة للأسماك ودلالاتها المحلّيّة، وذكريات الصّيد على شواطئ حيفا وعكّا والطّنطورة، مبرزًا البعد التّوثيقيّ والبيئيّ للعمل من خلال مزج أدبيّات البحر بخبرات الصّيد، والذّكريات الشّخصيّة لتركي الّتي تقاطعت مع فصول الكتاب، بدءًا من حكايات الصّيّادين ومبالغاتهم المحبّبة، وصولاً إلى الطّرائف والرّموز الأدبيّة والمصطلحات الشّعبيّة، ممتدحًا الجهود الميدانيّة الّتي بذلها نقّارة لتقديم هذا المرجع الشّامل، الصّادر بالتّعاون بين نادي حيفا الثّقافيّ ودار الشّامل للنّشر والتّوزيع.
أمّا في قراءته لرواية “ممرّات هشّة” للكاتب عاطف أبو سيف (ص 159)، الّتي تجسّد العلاقات المبتورة بالمسارات الهشّة للإنسان تحت ظروف النّكبة، فيتعامل معها كوثيقة إنسانيّة تسرد شؤون الفقد والذّاكرة واللّجوء، وتناقش جدليّة الحياة والموت والمصير الفلسطينيّ. وتتسع صفحات الكتاب لتشمل قراءات أخرى في أعمال متنوّعة، منها رواية “محنة المهبولين” لباسم خندقجي (ص33)، والكتاب التّوثيقيّ لنادي حيفا الثّقافيّ “رحلة من العطاء” (ص85) الذي يوثّق نشاط النّادي ودوره وفعاليّاته لعام 2022م، إلى جانب مقالات تناول فيها تركي روايات “أسير الثّلج” (ص231) و”الخرّوبة” (ص242)، وروايات أخرى ومجموعات قصصيّة وكتبًا توثيقيّة مختلفة.
بذلك، يقدّم الدكتور خالد في هذا العمل شهادة عمليّة على شغفه بالقراءة، ومتابعته الواعية للأنشطة الثّقافيّة والأدبيّة، واهتمامه بالدّفاع عن الأثر الأدبيّ وتوثيق المسيرة الجمعيّة؛ ليكون كتابه إضافة متوازنة وخطوة تحسب له في تقدير الكلمة.

تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.