كرم شقّور: كتاب “صياد.. سمكة وصنّارة”
كرم شقّور
كتاب “صياد.. سمكة وصنارة” من تأليف المحامي: فؤاد نقارة. حين تتحوّل الصنّارة إلى قلم، والبحر إلى كتاب مفتوح
ليس كلُّ من ألقى صنّارته في البحر صيّادًا، وليس كلُّ من أمسك قلمًا أصبح أديبًا؛ فالصيد فنٌّ يحتاج إلى صبر، والأدب موهبة تحتاج إلى بصيرة، وبين الصنّارة والقلم مسافة لا يقطعها إلا من امتلك القدرة على التأمّل، وأدرك أن وراء الأشياء الصغيرة معانيَ كبيرة.
بهذه الرؤية أتناول كتاب «صيّاد.. سمكة وصنّارة» للمحامي والأديب فؤاد مفيد نقّارة، الذي اختار أن يأخذنا بعيدًا عن صخب المحاكم ومرافعاتها، ليجلس بنا على شاطئ البحر، حيث الأمواج تتحدث بلغتها، والأسماك تختبئ في أعماقها، والصيّاد ينتظر رزقه بصبر الفلاسفة وحكمة المجربين.
إن العنوان، على بساطته، يحمل دلالات تتجاوز معناه المباشر. فالصيّاد هو الإنسان الباحث، والسمكة هي الغاية المنشودة، والصنّارة هي الوسيلة التي تصل الحلم بالواقع. وما الحياة، في بعض وجوهها، إلا رحلة صيد طويلة، نلقي فيها صنّارات آمالنا، فنظفر أحيانًا بما نشتهي، ونعود أحيانًا أخرى بخبرة أغلى من الغنيمة نفسها.
من شاطئ عكّا إلى أعماق الذاكرة؛
يأخذنا فؤاد نقّارة في القسم الحكائي من كتابه إلى مدينة عكّا، المدينة التي لا يُذكر اسمها إلا ويحضر البحر شاهدًا على تاريخها وجمالها.
هناك، حيث نشأ الكاتب وترعرع على مقربة من البحر، لم تكن الصنّارة مجرد أداة لاصطياد الأسماك، بل كانت وسيلة لاكتشاف الحياة والتعرّف إلى أسرار الطبيعة.
وتبرز في هذه الذكريات صورة الأب الذي أورث ابنه حب البحر وعلّمه الصيد، فكأننا أمام ميراث لا يُقاس بالأموال والعقارات، وإنما بما يتركه الآباء في نفوس أبنائهم من معرفة وتجربة وقيم.
وهنا تكمن إحدى جماليات الكتاب؛ فهو لا يفصل الإنسان عن ذاكرته، ولا الهواية عن جذورها العاطفية. إن البحر عند نقّارة ليس مساحة مائية فحسب، بل موطن للذكريات، ومستودع للحكايات، ومرآة يرى فيها الإنسان بعضًا من ماضيه.
حين يصبح الصيد درسًا في الأخلاق:-
ومن الملامح الجديرة بالتوقف عندها أن المؤلف لا يكتفي بسرد مغامرات الصيد وما يرافقها من مفاجآت ومواقف طريفة، بل يفتح أمام القارئ أبوابًا للتأمل في العلاقات الإنسانية.
ففي حكايات الصيّادين تتجلى الصداقة والمنافسة، وتظهر المبالغة التي اعتادها بعض هواة الصيد عند الحديث عن مغامراتهم وغنائمهم. غير أن وراء هذه الطرافة معنى أعمق؛ فالإنسان قد يبالغ في وصف ما اصطاده، لكنه لا يستطيع أن يصطنع بسهولة ما اكتسبه من خبرة أو ما تعلمه من الحياة.
وأرى أن القيمة الأدبية لهذه الحكايات تكمن في انتقالها من الواقعة العابرة إلى الدلالة الإنسانية. فالقصة التي تبدأ بسمكة قد تنتهي بحكمة، والمغامرة التي تبدو بسيطة قد تكشف معدن الصداقة أو معنى المسؤولية.
وهذه خصيصة محمودة في الكتابة؛ أن تجعل القارئ يستمتع بالحكاية، ثم تترك في نفسه أثرًا يتجاوز متعتها الآنية.
البحر كتاب آخر داخل الكتاب؛-
لا يقف المؤلف عند حدود الذكريات، بل يفتح للقارئ نافذة معرفية واسعة على عالم الأسماك والكائنات البحرية، فيتناول أنواعها وخصائصها وبيئاتها وطرائق عيشها وتكاثرها واصطيادها.
وهكذا يجمع الكتاب بين متعة الحكاية وفائدة المعرفة، فلا يبدو البحر مجرد مسرح للأحداث، وإنما عالمًا حيًّا يستحق الدراسة والحماية
ومن الجوانب اللافتة أيضًا حضور هواية جمع الطوابع البريدية التي تحمل صور الأسماك. وهي إضافة تمنح العمل خصوصية نادرة؛ إذ تنتقل بنا من الأسماك السابحة في البحار إلى صورها المحفوظة على الطوابع، وكأن الكاتب أراد أن يصطاد الجمال مرتين: مرة من الماء، ومرة من ذاكرة البريد.
وهذا التنوع يجعل الكتاب قريبًا من القارئ المحب للأدب، ومن الهاوي الشغوف بالطبيعة، ومن الباحث عن المعلومة، دون أن يفقد طابعه الشخصي الذي يميّزه.
بين قلم المحامي وروح الأديب:-
قد يتساءل بعضهم: ما الذي يدفع محاميًا أمضى سنوات في عالم القانون إلى تأليف كتاب عن الصيد والأسماك؟
وأجيب بأن الإنسان أوسع من مهنته، وأن الإبداع لا يعترف بالحدود التي ترسمها الوظائف والألقاب.
فالمحامي يبحث عن الحقيقة بين الوقائع والأدلة، والصيّاد يبحث عن غايته في أعماق الماء، والكاتب يبحث عن المعنى بين الكلمات. وثمة خيط خفي يجمع هذه العوالم الثلاثة، هو الصبر والملاحظة وحسن التقدير.
ولعل أجمل ما في تجربة فؤاد نقّارة أنه لم يجعل مهنته قيدًا على اهتماماته، بل منح نفسه حق التجوال في رحاب المعرفة والجمال.
لا يفوتني هنا أن أشير إلى الجهد الذي بذلته الأديبة صباح بشير في إعداد الكتاب وتحريره والإشراف عليه؛ فالعمل الثقافي المتكامل ثمرة تعاون يحفظ للفكرة أصالتها، ويمنحها الصورة اللائقة بها.
فؤاد نقّارة… الرجل الذي يصطاد الثقافة أيضًا:-
وإذا كان هذا الكتاب يكشف جانبًا من شخصية فؤاد نقّارة بوصفه عاشقًا للبحر، فإن نشاطه الثقافي يكشف جانبًا آخر لا يقل جمالًا ولا أهمية.
إنني لا أستطيع أن أتحدث عن فؤاد نقّارة دون أن أتوقف عند عطائه الثقافي المتواصل، وعند الدور الذي يؤديه مع زوجته الفاضلة سوزي نقّارة في احتضان الأدباء والشعراء والفنانين والمبدعين.
فالرجل الذي يفتح أبواب الثقافة للآخرين، ويمنح الكلمة العربية من وقته وجهده واهتمامه، إنما يمارس رسالة تتجاوز حدود الهواية إلى مرتبة الالتزام الحضاري.
وما أندر الرجال الذين لا يكتفون بمحبة الثقافة، بل يعملون على خدمتها، ولا يكتفون بتقدير الأدباء، بل يهيئون لهم المنابر التي تستقبل أصواتهم وإبداعاتهم.
لقد عرفنا فؤاد نقّارة محاميًا ومثقفًا وراعيًا للكلمة، وها نحن نلتقيه في هذا الإصدار كاتبًا يبوح بشغفه، ويشارك قراءه حصيلة تجاربه، دون تكلف أو ادعاء.
كلمة أخيرة في حق الكتاب وصاحبه :-
إن «صيّاد.. سمكة وصنّارة» ليس مجرد كتاب عن هواية الصيد، بل شهادة إنسانية على أن الحياة تمنح أسرارها لمن يحسن الإصغاء إليها، وأن المعرفة قد تولد من تجربة متواضعة، ثم تكبر حتى تصبح أثرًا مكتوبًا يستفيد منه الآخرون
وأحسب أن من أبرز مزايا هذا العمل صدقه في التعبير عن شغف صاحبه، وتنوع مادته بين الحكاية والمعلومة والذكرى، فضلًا عن قدرته على تقريب عالم البحر إلى القارئ بلغة تجمع بين الفائدة والمتعة.
أما أنت، أيها الصديق العزيز فؤاد نقّارة، فأقول :-
لقد عرفناك صيّادًا للمواهب قبل أن نعرفك صيّادًا للأسماك، وعرفناك باحثًا عن الدرر الأدبية قبل أن نراك باحثًا عن درر البحر.
وإذا كانت الصنّارة تلتقط سمكة من الأعماق، فإن يدك الكريمة امتدت لسنوات طويلة تلتقط المواهب من زوايا النسيان، وتخرجها إلى الضوء، وتمنحها منابر تستحقها.
وإن كان البحر يهب الصيّاد سمكة أو اثنتين، فقد وهبت أنت بحار الثقافة من وقتك وجهدك وعطائك ما لا تقدر عليه صنّارة، ولا تتسع له شبكة.
فهنيئًا لك هذا الإصدار الجميل، وهنيئًا للمكتبة العربية كتابًا يجمع المعرفة بالمتعة، والذكرى بالحكمة، والهواية بالثقافة.
وأختم بكلمة أراها أصدق ما يمكن أن يقال في حقك:
يا فؤاد، لقد اصطدتَ من البحر أسماكًا، ولكنك اصطدتَ من قلوب الناس محبةً لا تُباع ولا تُشترى، ولا تستطيع بحار الدنيا كلها أن تمنحك ما يعادلها. فطوبى لصيّاد كانت أعظم غنائمه محبة الناس، وأثمن صيده خدمة الثقافة والأدب.
مَنْ لا يعرفكَ يجهلك.

تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.