د. منير توما: ثنائيّة الفكر والذّات عند نظير شمالي في مجموعته الشّعريّة “رِقاع صلاح الدّين”

د. منبر توما
– نصّ المداخلة التي أُلقيت في حيفا، في أمسية إشهار المجموعة الشعرية في نادي حيفا الثقافيّ، بتاريخ: 06 أغسطس/آب 2026
إنّه لمن دواعي سروري أن أُحيّي الأُستاذين المكرّمين نظير شمالي وعبد حوراني دون أن أنسى تحياتي إلى المشارك في هذه الندوة العزيز الدكتور صالح عبّود، والحضور الكرام، وقد ارتأيتُ أن انظم أربعة أبيات من الشعر كمقدِّمة لمداخلتي عن شعر الأستاذ نظير شمالي مع احترامي وتقديري للجميع، وابدأ فأقول:
بُشرى “النظيرِ” بما قد حازَ مِن أَدَبٍ
وافاه كالظلِّ فوقَ الأَيكةِ الأَنِفِ
قد قالَ ما لم يَقُلْهُ في مرابِعِنا
سِواهُ مِن عَلَمٍ شادٍ ومِن خَلَفِ
خُلْقٌ عَهِدْناهُ بهِ فينا تألُقُهُ
وأنْ يكن شعرُهُ كالنورِ غيرِ خَفِي
فَلْيَهْنَ بالسُمْعَةِ الشّماءِ مُرتفِعًا
لكُلِّ مَجْدٍ عظيمِ القَدْرِ مُؤتَنِفِ
المداخلة:
يُطالِعُنا الأستاذ نظير شمالي في مستهلِ مجموعتهِ الشعرية هذهِ بقصيدة طويلة بعنوان: “لفاطمة أغنيةٌ موقوتةٌ في مخدع السلطان” تتضمّن نفحات من النقد الشعري السياسي المُبطّن برمزيةٍ ملموسة المعاني والايحاءات لِما تردّت إليها أحوال الأُمّة في هذهِ الأزمنة، فنظم شاعرنا هنا شعرًا هو وليد ظروف بعينها، فالشاعر مدفوع إليه بدافع قهري، فعندما تلحّ عليهِ فكرة أو موضوع القصيدة، فلا يستطيع صدها أو منعها أو حتى تأخيرها. فالشكل الشعري في هذه القصيدة وفي القصائد الأخرى للمجموعة الشعرية يكتسي شعريته لا من خلال معناه أو صوته فقط، وإنّما من تلك العلاقات بين الكلمات من جهة وبين معاني هذهِ الكلمات ورمزيتها من جهة أخرى، فشاعرنا يلامس في قصائد هذه المجموعة، وبشكل خاص في هذهِ القصيدة، مشاعر المتلقي القارئ أو السامع ليجعل من معاني القصيدة حقلًا واسعًا من مظاهر الإعتزاز بعنفوان وسؤدد الماضي الحافل بالشجن والكبرياء المشوبين والمقرونين بنفحاتٍ من التحسُّر على ما مضى من رفعة الأمة وعلو شأنها دون أن يفقد الأمل في صمود الذات على مدى التاريخ بفِعل استنارة الفِكر رغم المعاناة والآلام جرّاء ما آلت إليهِ أحوال الأمة وما تعرّضت له من انتكاسات نتيجة سلبيّات ابتعد من خلالها قادة الأمة بعد أمجادٍ زاهرة عن المسار القويم حيث نلحظ بكل انتباه واهتمام أنّ شاعرنا يلجأ إلى الإتيان بأسماء تراثية بارزة يستحضرها في شعره هنا كفاطمة التي تشكِّل في نص هذه القصيدة ما يُعرف بالمعادل الموضوعي (objective correlative) الذي يجسِّد أساسًا محوريًا في معنى القصيدة حيث تمثِّل فاطمة بدلالة اسمها الرمزي تراثيًا وتاريخيًا بالفِكر العربي، المحور الأخلاقي الرفيع النموذجي للطهر والاستقامة، فهي بنت النبي العربي الكريم وزوجة الإمام علي بن أبي طالب، وبالتالي يذكر شاعرنا شخصيًا آخر هو عليّ بن عصفور ليحفّزنا على استكناه رمزية الإسم في هذا السّياق باعتبار أنّ رمزية اسم علي بمعناه يشير إلى ما كانت الأمة تتحلّى به من رفعةٍ وشموخ في حين أنّ اقتران اسم عصفور به يمثّل رمزًا لمعاني الحرية التي افتُقِدَت في الأزمنة الراهنة التي يوحي بها شاعرنا.
في هذهِ القصيدة وفي الجزء السابع منها (ص 14) يعبِّر عمّا تعانيهِ الأمة من ضياع وفساد وانفلات وهزائم جاعلين من حال الأمة مأساةً فقدت فيها الأمة بوصلتها وغدت تغرق في الفوضى الأخلاقية والاجتماعية (ethical and social chaos)
من هذا الوضع المؤلم الحزين للأمة يرى شاعرنا أنّ فاطمة رمز هذه الأمة قد جنى عليها من أدّوا إلى هذه الأحوال البائسة للوطن الطاهر الشامخ في زمن ازدهارهِ ونقائهِ. وفي هذا يقول شاعرنا:
بسكينِ غَدرٍ نحروكِ، يا فاطمة!
أجل… بسكينِ غدرْ
ومِنْ قَبْلُ ذبحناكِ قُربانًا بيدينا،
وما بكتْ منّا عيون!!
كيفَ لا يُجافي الدمعُ عيونًا حجريّةْ؟!!
كيفَ لا يجافيها، يا فاطمةْ،
وقد تَوَقّفَ نبضٌ، وجفَّتْ عُرُوقْ؟!!
فَتبَّتْ يدانا، يا فاطمةْ!!
فَنحنُ القاتِلُ والقتيلْ!!
إنَّ ما يستوقفنا في شعر الأستاذ نظير شمالي هنا أنّ الانزياح في اطروحاتهِ الشعرية هو وسيلة خلق مسافة التوتر بالمعاني والإيحاءات الفكرية من الشاعر بالتخيُّل إلى المتلقي بالتخييل حيث أنّ استخدام الكلمات بأوضاعها القاموسية المتجمدة لا ينتج الشعريّة التي يتوخاها ويسعى إليها الشاعر، بل ينتجها الخروج بالكلمات عن طبيعتها الراسخة إلى طبيعة جديدة. وهذا ما أدركه وفعله وأتقنه شاعرنا بكل مهارة وبراعة أدبية لغوية من خلال أسلوبٍ يتسم بالحنكة والإجادة كما نلمس في الجزء السادس الأخير من قصيدة “ثلجٌ ستائرُكِ هذا المساء” (ص 47):
لِمَنِ الغناءُ، يا ليلةً مِن ألفِ ليلةْ
لِمَنِ الغناءُ، سيدتي، وقنديلُ العشقِ انطفأْ؟!!
ما عادَ في القلبِ رنّاتٌ للوترْ
ما عادَ في الأُفقِ سِحْرٌ للسَّحرْ
ورمادُ العشقِ بعيدًا.. بعيْيْيْدًا.. قد سَقَطْ
خريفيةٌ، شاحبةٌ كلُّ الكلماتْ
ميِّتٌ.. وجهُ ذيَّاكَ القَمَرْ
مما يسترعي الانتباه في قصائد هذه المجموعة الشعرية أنّ مفهوم شاعرنا لمعنى الشعرية هنا هو الخروج بالكلمات عن معانيها القاموسية المتجمدة، كما ذكرنا آنفًا، والجمع بين المتنافرات (discordant / disharmonious)، فشعرية نظير شمالي بهذا المعنى ليست خصيصة تجانس وانسجام وتشابه وتقارب، بل نقيض ذلك كله، اللا تجانس واللا انسجام واللا تشابه واللا تقارب هو ما يميّز هذه الشعرية ويطبعها بطابع خاص. يتسم بسعة الأفق وانفتاح الفكر من خلال الذات الواعية لإحياء الكلمات بصورها الفنية. وانطلاقًا من هذا المعاني يتضح لنا أن شعر نظير شمالي يرينا أنفسنا في انفعالها وعواطفها بما يجلوه من صور نفسية والاحتفاظ لتلك النفس بأصالتها، فمن خلال ذلك يرينا الشاعر في هذا السياق الجمال في الحياة من جهة، ومحاولة قهر المعاناة من الجهة الأخرى، بغية تعليمنا تقدير النفس والحياة كما توحي لنا أجزاء من قصيدة “رِقاع إلى صلاح الدين” (ص 49) حيث ورد فيها:
قُم مِن رُقادِكَ، يا ولدي، واحمل البحرَ بكَفَّيْكْ
قُم توضَّأْ، واطفِئْ حرائقَ الذاكرةْ
كفكفْ دموعَ القلبِ، هذا صهيلُ جوادِكَ المُسْرَجْ
بكُلِّ الشوقِ ما زالَ يدعوكْ
أعِدْ للبحرِ نوارِسَهُ،
أعدْ للبحرِ بَحرَهُ.. برحيلها رَحَلَ البحرْ
صلاحَ الدينِ، يا ولديْ
تدعوكَ حطينُ الجديدةْ!!
إنَّ هذه القصيدة تتضمن الدعوة إلى اليقظة للتغلّب على الألم واستدعاء الأمل وثبات الذات، ورؤية واقع جديد وتحقيق حلم كامن بأسلوبٍ ايحائي من خلال منظور ذاتي يعكس ما يدور في خلد الشاعر معبرًا عن ذلك باستخدام رمزية البحر والنورس، فالبحر في هذه القصيدة أعلاه يتماهى مع هذهِ المعاني في السياق حيث أن البحر يرمز إلى القوة الديناميكية (dynamic force)
التي يدعوا إليها شاعرنا بالايحاء، وكذلك يرمز إلى المصدر المولِّد للحياة
(the generative source of life)
وإلى اللاوعي الجمعي
(the collective unconscious)
وأخيرًا فإنّ من رمزية البحر الحرية liberty
وفيما يتعلق بالنورس فإنّه يرمز من خلال السياق في هذه القصيدة إلى الذَنْب (guilt) الذي ارتُكبَ بحقِهِ ترميزًا بكونهِ حال الأمة المزدهر في السابق وتدهور في هذا الزمان.
ختامًا، فإننا نرى أن علاقة الأستاذ نظير شمالي بالفكر في هذه المجموعة الشعرية هي علاقة لا تنبع من ادراكِهِ لبعض القضايا الفكرية، بل مِن اتخاذهِ موقفًا حياتيًا من هذه القضايا، بحيث يتمثل هذا الموقف فيما يكتبه، وهو في مرحلة ابداعه الفني ينظر في ذاتهِ ليرى من خلالها الكون، فهو كشاعر لا يعبّر بشكل مباشر عن الأفكار والقضايا، بل إنّه يتمثلها لتصبح جزءًا منه لا تنفصل عن كيانه، فيكون بذلك قد أنجز مرحلة العبور من حالة الانتاج الفكري الذاتي للشاعر
(self-intellectual production)
إلي مرحلة الإدراك المعرفي للمتلقي (recognition of meaning).
وبالإجمال فإن للنورس من زاوية اخرى رمزًا للصمود والتغلب على التحديات (overcoming or defying challenges) برؤيته الواضحة وبُعد نظره والحنين الى الوطن ونصر المظلومين.
فلهُ منّا أجمل التحيات وأصدق التمنّيات الطيبة بموفور الصحة والمزيد من الإبداع والعطاء.
تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.