د. حاتم خوري: العفو عند المقدرة

د. حاتم خوري
العفو عند المقدرة
ليست كل الذكريات سواء. فمنها ما يمر بخاطر الإنسان مرور الغمام، يلوح للحظة ثم يختفي، ومنها ما يستقر في أعماق النفس حتى يغدو جزءًا من كيانها، يرافقها في أفراحها وأتراحها، ويطل عليها كلما تقدمت بها السنون، فتزداد صورته صفاءً بدل أن يبهتها الزمن. وكثيرًا ما أجدني، بعد رحلة عمر امتدت نحو تسعة عقود، أعود بذاكرتي إلى مشاهد بعيدة من طفولتي، فأراها كأنها حدثت بالأمس، وأسمع أصواتها كما سمعتها أول مرة، وأشعر بحرارة مشاعرها كما شعرت بها وأنا صبي صغير.
ومن بين تلك الذكريات جميعًا، تبقى أمسية واحدة أكثرها رسوخًا في وجداني، لأنها لم تمنحني متعة الوقوف على خشبة المسرح فحسب، بل غرست في نفسي قيمة إنسانية رافقتني طوال حياتي، وأضاءت أمامي دروبًا كثيرة كلما وقفت بين الغضب والتسامح، أو بين الانتقام والعفو.
كان ذلك في أوائل خمسينيات القرن الماضي، عندما كنت تلميذًا في الصف السادس الابتدائي في المدرسة الأسقفية بقرية فسوطة، تلك القرية الوادعة التي تتربع بين تلال الجليل الغربي، فتبدو ببيوتها الحجرية البيضاء وأزقتها الضيقة وأشجار الزيتون المحيطة بها كأنها لوحة هادئة رسمتها الطبيعة بعناية ومحبة.
كانت فسوطة آنذاك قرية متماسكة كالعائلة الواحدة. يعرف الناس بعضهم بعضًا بالاسم، وتتقاسم البيوت الأفراح والأحزان، ويشعر كل فرد بأن أبناء القرية جميعًا أهله وإخوته. ولم تكن المدرسة مجرد مكان لتلقي الدروس، بل كانت قلب الحياة الثقافية والاجتماعية في البلدة، ومصنعًا للأخلاق إلى جانب العلم.
من الذكريات التي ما زالت تتوهج في أعماق الذاكرة رغم تعاقب السنين وتراكم الأحداث، تلك الحادثة التي عشتُها في طفولتي والتي تركت في نفسي أثرًا لم تستطع الأيام أن تمحوه، بل ظلّ يزداد رسوخا ونضجا كلما تقدمت بي السنون.
إنها تلك الذكرى التي تعود إلى مطلع خمسينيات القرن الماضي، حين كانت المدرسة الابتدائية الأسقفية في قرية فسوطه تحرص على أن تختتم عامَها الدراسيّ باحتفال مميّز متوّج بعرض مسرحيّ يقدّمه تلاميذُ الصفوف العليا الى أهالي القرية، بحضور صاحب المدرسة أي مطران الأبرشية العكّاويّة لطائفة الروم الكاثوليك الملكيين. وكان ذلك الحدث يُعدُّ مناسبة ينتظرها الجميع بشغف، إذ يجتمع فيها العلم والفن، وتلتقي فيها براءة الطفولة بفرحة المجتمع كله.
كانت المدرسة تشغل آنذاك بناءً تابعًا للكنيسة ومحاذيًا لها، فغدت ساحة الكنيسة فضاءً مشتركًا يجمع بين التعليم والعبادة والمناسبات الاجتماعية. هناك لعب التلاميذ، وهناك احتفل الأهالي بأفراحهم، وهناك أيضًا شهدت القرية عروضًا مسرحية تركت أثرًا عميقًا في نفوس المشاركين والمشاهدين على حد سواء.
في تلك الأيام، كانت الحياة أكثر بساطة وأشدّ التصاقًا بروح الجماعة. لم تكن الكهرباء قد وصلت بعد إلى القرية، ولا عرفت الساحة مكبرات الصوت أو الأضواء الحديثة. كانت المنصة تُقام كل عام من ألواح خشبية متواضعة تُشاد بعناية في الساحة، وتُضاء بمصابيح الكاز واللوكسات التي تنثر ضوءًا مميزا يضفي على الأمسية سحرًا خاصا، فيما تُبطََّنُ جدرانُ المنصّة وتُفرش ارضُها بالبُسطِ والحُصُر. أما الساحة فكانت تتحول في تلك الأمسية إلى مسرح مفتوح، تمتلئ بالكراسي والوجوه المترقبة، حتى تبدو وكأنها بحر بشريّ يفيض بالحياة والبهجة.
كنت يومها تلميذًا في الصف السادس عندما وقع عليّ الإختيارُ للمشاركة في مسرحية بعنوان “العفو عند المقدرة”، وهي مسرحية من تأليف الخوري نقولا أبو هنا. وقد أُسنِد إليّ دورُ الوزير أحمد. دارت أحداث المسرحية حول الصراع الذي نشب بين الخليفة العباسي المأمون وعمّه إبراهيم بن المهدي، ذلك الصراع الذي غذّتْه مطامعُ السلطة وأشعلته تقلّباتُ السياسة، حتى انتهى بإبراهيم هاربًا متواريًا عن الأنظار سنواتٍ طويلة قبل أن يقع في قبضة المأمون ويُقاد إليه أسيرًا صاغرا مكبّلًا، ينتظر مصيره المحتوم.
أما الفصل الأخير من المسرحية، وهو أكثرها تأثيرًا، فقد صوّر مجلسًا استشاريًا عقده المأمون للنظر في أمر عمّه الأسير وتحديد العقوبة التي يستحقها. وما إن ارتفع الستار حتى بدا الخليفة جالسًا في صدر المجلس تحيط به ثلة من المستشارين والوزراء، وكنت أجلس إلى جانبه في هيئة الوزير أحمد.
أذكر أنني حين نظرت إلى الجمهور للمرة الأولى شعرت بارتباك شديد. كنت طفلًا في الثانية عشرة من عمري، ورأيت أمامي حشدًا غفيرًا من الرجال والنساء والأطفال، حتى خُيّل إليّ أن الساحة تحولت إلى موج متلاطم من الوجوه والعيون. في تلك اللحظة كدت أفقد القدرة على التركيز، وكادت الكلمات التي حفظتها عن ظهر قلب تتبخر من ذاكرتي. غير أنني سرعان ما تماسكت واستعدت هدوئي عندما بدأ الحوار يتقدم وفق مجرياته المرسومة.
كان أعضاء المجلس يتسابقون إلى المطالبة بإنزال عقوبة الإعدام بإبراهيم، وكل منهم يردّد بحماسة: “اقتله… اقتله”. وكأنهم يجسّدون المثل القائل: ” إذا وقعَ الجَمَل كثرت سكاكينه”، فحين يضعف الإنسان أو يسقط، يكثر من يتجرأ عليه. وحده الوزير أحمد بقي صامتًا، لا يشاركهم اندفاعهم ولا يردّد هتافهم.
وهنا التفت المأمون نحوي وقال: “لم أسمع بعد رأيَ الوزير أحمد. فما رأيك يا وزيري؟”.
كان هذا السؤال هو اللحظة الفاصلة في المشهد كله. استجمعتُ قواي وأجبتُ بصوت حاولت أن أجعله واضحًا ومسموعًا للجميع:
“والله يا أمير المؤمنين، إن قتلتَه وجدنا مثلَكَ قتل مثلَه، أمّا إن عفوتَ عنه فلن نجد مثلَكَ عفا عن مثله”.
وما إن انتهيت من عبارتي هذه حتى دوّى التصفيق في أرجاء الساحة، تصفيقًا حارًا ما زلت أسمع صداه في أعماقي حتى اليوم. كان ذلك التصفيق أكبر من مجرد إعجاب بأداء طفلٍ على خشبة مسرح؛ لقد كان احتفاءً بقيمة إنسانية سامية تتجاوز حدود الزمان والمكان.
في ذلك العمر لم أكن أدرك تمامًا ما تنطوي عليه تلك الكلمات من معانٍ نبيلة. لم أكن أعرف أن الرحمة حين تصدر عن القادر أسمى من الانتقام، وأن التسامح يرفع الإنسان إلى مرتبة أخلاقية رفيعة وأن العفو عند المقدرة ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل هو امتحان للإنسانية ذاتها؛ لأنه يضع الانسان أمام خيارين: أن ينتصر لنفسه، أو أن ينتصر لقيمِه وبالتالي فإنّ العفو عند المقدرة هو ذروة القوة لا مظهر الضعف. ولم أكن قد سمعت بعد بقول الإمام علي بن أبي طالب: “إذا قدرتَ على عدوك فاجعل العفو عنه شكرًا للقدرة عليه”، ولا بما يُروى من أنّ أجمل صور الانتصار هي القدرة على الصفح.
غير أن تلك العبارة، وذلك التصفيق، وذلك المساء الصيفيّ البعيد، تركت جميعها أثرًا عميقًا في نفسي. فقد بقيت كلمات المسرحية حيّةً في ذاكرتي، تتحدّى غبار الزمن وتقاوم النسيان، وترافقني كمنارة أخلاقية تذكرني بأن الإنسان لا تُقاس عظمته بما يملك من قوة فحسب، بل بما يملك من قدرة على الغفران. وما أرجوه اليوم، بعد رحلة عمر طويلة، أن أكون قد استطعت أن أجسّد هذه القيمة النبيلة في سلوكي ومواقفي، وأن أجعل من العفو عند المقدرة نهجًا أؤمن به وأعمل به، لأن التسامح يبني ما تهدمه الخصومات، ولأن الرحمة تترك في القلوب أثرًا أبقى من أي انتصار عابر.
**نصٌّ من كتابي الجديد الذي سيصد قريبا عن نادي حيفا الثقافي بعنوان “ذاكرة قرية…سيرة وطن” .
تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.