سمير الخطيب: المنفى محطاتٌ والوطنُ بوصلة

سمير الخطيب:
المنفى محطاتٌ والوطنُ بوصلة
الحضورُ الكريمُ، أصدقاءُ الدكتورِ يوسفَ عراقيٍّ وأصدقاءُ
الكلمةِ الحرةِ، أعضاءُ نادي حيفا الثقافيِّ المحترمينَ
أقفُ أمامَكمُ اليومَ لا بصفةِ الناقدِ الأدبيِّ ولا بصفةِ المحللِ السياسيِّ، بل بصفةِ رجلٍ يحملُ في قلبِهِ امتناناً لإنسانٍ آثرَ أنْ يكتبَ حينَ كانَ بإمكانِهِ أنْ يصمتَ، وآثرَ أنْ يتذكرَ حينَ كانَ بإمكانِهِ أنْ ينسى.
لقدْ قابلتُ د. يوسفَ عراقيٍّ عامَ 2016 حينَ زارَ البلادَ لإشهارِ
كتابِهِ منْ جديدٍ “يومياتُ طبيبٍ في تلِّ الزعترِ” بمناسبةِ مرورِ أربعينَ عاماً
على المجزرةِ. وجاءتْ معرفتِي الشخصيةُ بهِ عنْ طريقِ زوجتِي، الناجيةِ منْ تلِّ الزعترِ، الدكتورةِ نوخا والتي كانَ عمرُها 13 عاماً حينَ تمَّ الحصارُ الذي عاشتْهُ كاملاً، والتي كانتْ تحدثُنِي عنْهُ كثيراً قبلَ أنْ أراهُ. وحينَ جلستُ أمامَهُ لأولِ مرةٍ، أدركتُ أننِي أمامَ رجلٍ يحملُ في روحِهِ أكثرَ مما تستطيعُ الروحُ عادةً أنْ تحتملَ، ومعَ ذلكَ يقفُ شامخاً هادئاً، كتلكَ الصخورِ التي تعرضتْ لكلِّ الرياحِ والزوابعِ وبقيتْ صامدةً.
يوسفُ عراقيٍّ ابنُ عربِ الرملِ، تلكَ البقعةِ التي تجلسُ قربَ حيفا كأنَّها تنتظرُ عودةَ الغائبينَ. كانَ طفلاً صغيراً حينَ جاءَ الصباحُ الملعونُ منْ أيارَ 1948.
لمْ يكنْ يعرفُ يومَها أنَّ الأسبوعَ الذي قالوا فيهِ “سنعودُ بعدَ أسبوعٍ أوِ اثنينِ” سيصبحُ عمراً كاملاً في المنفى.
و”حدودُ المنفى… قطارٌ ومحطاتٌ” هوَ عنوانُ الكتابِ الذي نناقشُهُ اليومَ للدكتورِ يوسفَ عراقيٍّ. القطارُ في هذا العنوانِ ليسَ مجازاً أدبياً. هوَ الحقيقةُ الحرفيةُ لحياةِ يوسفَ عراقيٍّ. قطارٌ لمْ يتوقفْ على مدى أكثرَ منْ ثمانِ عُقودٍ، يحملُ رجلاً واحداً منْ محطةٍ إلى محطةٍ، منْ مدينةٍ إلى مدينةٍ، منْ منْفًى إلى منْفًى، ولكنَّ بوصلتَهُ لمْ تتغيرْ لحظةً واحدةً. كانتْ دائماً تشيرُ نحو_ فلسطينَ.
هذا هوَ جوهرُ هذا الكتابِ. ليسَ سيرةَ رجلٍ نجحَ وترقَّى. بلْ سيرةَ رجلٍ يحملُ وطنَهُ في روحِهِ وهوَ يمشي في دروبِ العالمِ، لا يضعُهُ على الرفِّ ولا يضعُهُ في أدراجِ النسيانِ، بلْ يضعُهُ في كلِّ خطوةٍ يخطوها، وفي كلِّ مريضٍ يعالجُهُ، وفي كلِّ كتابٍ يقرؤُهُ، وفي كلِّ صداقةٍ يبنيها، حتى صارَ الوطنُ ليسَ مكاناً يعودُ إليهِ بلْ هواءً يتنفسُهُ أينما حلَّ..
وقبلَ أنْ نتحدثَ عنِ المحطاتِ لا بدَّ أنْ نتحدثَ عنِ القطارِ نفسِهِ، وكيفَ بدأتْ رحلتُهُ.
عامَ 1948. سبعمائةٍ وخمسونَ ألفَ فلسطينيٍّ طُرِدوا منْ بيوتِهِمْ وأراضيهِمْ ومدنِهِمْ وقراهُمْ. ليسَ هرباً. ليسَ طوعاً. بلْ طرداً بالنارِ والرعبِ، منَ الطنطورةِ إلى الدامونِ إلى صفوريةَ إلى عربِ الرملِ وعشراتِ القرى التي مُحيتْ منَ الخريطةِ كأنَّها لمْ تكنْ. أهلُ يوسفَ تركوا بيتَهُمْ بما فيهِ. قالوا “سنعودُ بعدَ أسبوعٍ.” لكنَّهُمْ حتى الآنَ لمْ يُسمحْ لهُمْ أنْ يعودوا.
فما الذي يُسرقُ منْ إنسانٍ حينَ يُسرقُ وطنُهُ؟ يُسرقُ منهُ اليقينُ الأولُ، ذلكَ الشعورُ البدائيُّ بالأمانِ، أنَّ تحتَ قدميهِ أرضاً تعرفُهُ وأنَّ في العالمِ مكاناً يُسمى بيتَهُ. هذا اليقينُ حينَ يُسلَبُ لا يعودُ كاملاً أبداً. يبقى غيابُهُ يسكنُ الإنسانَ مهما تنقَّلَ ومهما أقامَ ومهما أنجزَ. وفلسطينُ تسكنُ روحَ كاتبِنا أينما حلَّ .
كتبتُ مرةً قصةً تخيلتُ فيها فلسطينياً نحتَ على جذعِ شجرةِ زيتونٍ عامَ 1948 علامةً صغيرةً، حرفَيْ اسمِهِ وتاريخاً وبيتاً بخطوطٍ طفوليةٍ مرتجفةٍ. وعادَ بعدَ عقودٍ فوجدَ العلامةَ ما زالتْ هناكَ والشجرةَ ما زالتْ هناكَ. وأضافَ تحتَها: “عدتُ ـ الذاكرةُ أقوى منَ النسيانِ.”
هذهِ القصةُ تخيليةٌ. لكنَّها فلسطينيةٌ، ولذلكَ يمكنُ أنْ تكونَ حقيقيةً. ويوسفُ عراقيٍّ بكتابِهِ هذا يحفرُ تلكَ العلامةَ ذاتَها على جذعِ الزمنِ.
في عامِ 1968 أبحرَ يوسفُ عراقيٍّ الشابُّ منْ بيروتَ نحو الاتحادِ السوفياتيِّ حاملاً
حلماً واحداً: أنْ يصبحَ طبيباً. لكنَّ القبولَ جاءَ في كليةِ الزراعةِ لا الطبِّ. كثيرونَ
كانوا سيقبلونَ بالأمرِ الواقعِ. يوسفُ لمْ يفعلْ. ظلَّ يطرقُ الأبوابَ ويُلِحُّ ويناضلُ داخلَ
أروقةِ الجامعةِ حتى تحققَ الانتقالُ إلى كليةِ الطبِّ. وهذا الإصرارُ الهادئُ على الحلمِ
رغمَ كلِّ العقباتِ هوَ ما يميزُهُ في كلِّ مراحلِ حياتِهِ، وما يجعلُهُ إنساناً استثنائياً قبلَ
أنْ يكونَ طبيباً متميزاً.
لكنَّ موسكو لمْ تُعطِهِ الطبَّ وحدَهُ. أعطتْهُ ما هوَ أعمقُ وأبقى. وأنا الذي عشتُ هناكَ
وشربتُ منْ ذلكَ النبعِ ذاتِهِ، حينَ قرأتُ وصفَهُ لشوارعِ موسكو ومتاحفِها وأحيائِها وقاعاتِ مسرحِ البولشويِّ وأزقةِ المترو ومقابرِ الأدباءِ العظامِ، وجدتُ نفسِي أتخايلُهُ شاباً فلسطينياً يمشي في تلكَ الشوارعِ ذاتِها التي مشيتُ فيها. دقةُ التفاصيلِ في كتابِهِ
أذهلتْنِي، لأنَّها تفاصيلُ منْ يحبُّ المكانَ لا منْ يصفُهُ منْ بعيدٍ.
في موسكو التي أحبَّها تشكَّلَ يوسفُ في مدرسةٍ إنسانيةٍ لا مثيلَ لها. جامعةُ الصداقةِ بينَ الشعوبِ جمعتْهُ معَ طلابٍ منْ أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينيةِ والعالمِ العربيِّ، كلٌّ منهُمْ يحملُ ثقافتَهُ وتاريخَهُ وجرحَهُ الخاصَّ. جلسوا معاً في قاعاتِ الدراسةِ وفي مقهى الحيِّ وعلى أرصفةِ محطاتِ المترو، وتبادلوا ما لا تُعلِّمُهُ الكتبُ. وفي رحابِ
تلكَ الجامعةِ التي كانتْ بحقٍّ عالماً مصغراً، توسّعتْ آفاقُ يوسفَ لتتجاوزَ فلسطينَ والعربَ نحو الإنسانِ في كلِّ مكانٍ، وتجذّرتْ عندَهُ قناعةٌ أنَّ قضيتَهُ ليستْ نزاعاً إقليمياً بلْ
قضيةً إنسانيةً كونيةً.
وفي تلكَ السنواتِ نفسِها أيقنَ يوسفُ دورَهُ السياسيَّ، فكانَ مؤسساً للاتحادِ العامِّ
لطلبةِ فلسطينَ وفي تنظيماتِ حركةِ فتحَ داخلَ موسكو، يعملُ في السرِّ حيناً وفي العلنِ حيناً، يدافعُ عنِ النضالِ الفلسطينيِّ في وجهِ منْ كانوا يرفضونَهُ ويصفونَهُ بالمغامرةِ. لمْ يكنْ يوسفُ طالباً يحفظُ دروسَهُ فحسبُ، بلْ كانَ مناضلاً يحملُ قضيتَهُ معَهُ في كلِّ محاضرةٍ وكلِّ لقاءِ.
وإلى جانبِ كلِّ هذا، قرأَ دوستويفسكي وتشيخوفَ وتولستويَ في لغتِهِمُ الأصليةِ،
وشاهدَ باليهَ بحيرةِ البجعِ في مسرحِ البولشويِّ، ووقفَ في صمتٍ أمامَ لوحاتِ متحفِ
الترتياكوفِ حتى عشقَ الفنَّ التشكيليَّ عشقاً دامَ طوالَ حياتِهِ، والتقى بمحمودِ درويشٍ
ومعينِ بسيسو في ندوةٍ طلابيةٍ لا تُنسى. سبعُ سنواتٍ تراكمتْ فيها طبقاتُ إنسانٍ كاملٍ يصنعُ نفسَهُ بيديهِ، ويرسِّخُ قناعةً يُعلنُها في مقدمةِ كتابِهِ: المعرفةُ هيَ القوةُ الوحيدةُ التي لا يستطيعُ أحدٌ مصادرتَها منكَ. تحملُها في حِلِّكَ وترحالِكَ، ولا سلطةَ على الأرضِ تنزعُها منْ روحِكَ.
وبعدَ تخرجِهِ التحقَ يوسفُ الطبيبُ الخريجُ الجديدُ بالهلالِ الأحمرِ الفلسطينيِّ وعملَ في مخيمِ تلِّ الزعترِ. سنةٌ ويومٌ منَ الحصارِ، أربعٌ وعشرونَ قذيفةً في الدقيقةِ، عملياتٌ جراحيةٌ على ضوءِ الشموعِ، وأطفالٌ يموتونَ منَ العطشِ. وفي يومِ السقوطِ وقفَ هوَ وزملائُهُ إلى الحائطِ ينتظرونَ الرصاصَ. نجا بمعجزةٍ. لكنَّ الممرضينَ الذينَ كانوا بجانبِهِ أُعدِموا. وسارَ في طريقٍ مليئةٍ بالجثثِ. هذا الجرحُ لمْ يلتئمْ، وحينَ
تجتاحُهُ اليومَ مشاهدُ غزةَ يعودُ إليهِ كلُّ شيءٍ.
بعدَ بيروتَ جاءتْ ألمانيا، خمسُ سنواتٍ في تخصصِ جراحةِ المسالكِ البوليةِ ثمَّ الدكتوراهُ، تلتْها سنتانِ في الإماراتِ، ثمَّ النرويجُ حيثُ تعلّمَ لغةً رابعةً والتحقَ بالجامعةِ منْ جديدٍ ليحصلَ على تخصصٍ ثانٍ في طبِّ العائلةِ. وبعدَ ستِّ سنواتٍ
حصلَ على الجنسيةِ النرويجيةِ. الجوازُ الجديدُ فتحَ أبواباً، لكنَّهُ لا يغيرُ الجوابَ على
السؤالِ الأعمقِ: منْ أنتَ؟ يوسفُ يعرفُ جوابَهُ منذُ أنْ كانَ طفلاً في عربِ الرملِ.
لا يزالُ يقيمُ في النرويجِ، وما زالَ ينظرُ منْ نافذتِهِ ويفكرُ في حيفا.
والآنَ، بالنسبةِ لعذابِ اللاجئينَ والدرسِ في الصمودِ
دعونِي أتوقفْ قليلاً عندَ هذا المعنى الأعمقِ في الكتابِ.
يوسفُ عراقيٍّ لمْ يكنْ لاجئاً بالمعنى الذي تصورَهُ بعضُ الناسِ. لمْ يكن في خيمةٍ ينتظرُ إعانةً. كانَ في كلِّ محطةٍ منْ محطاتِهِ إنساناً منتجاً يبني ويتعلمُ ويخدمُ ويُبدعُ. لكنَّهُ كانَ وسيظلُّ لاجئاً بالمعنى الحقيقيِّ الأعمقِ: إنساناً يعيشُ خارجَ الأرضِ التي ينتمي إليها، يحملُ وطنَهُ في روحِهِ لأنَّ لا أرضَ تحتَهُ تحملُ اسمَهُ.
هذا النوعُ منَ اللجوءِ هوَ الأشدُّ وطأةً لأنَّهُ لا يُرى. اللاجئُ الذي يسكنُ الخيمةَ يثيرُ تعاطفَ العالمِ. لكنَّ اللاجئ_ الذي يسكنُ في برلينَ أوْ أوسلو ويرتدي بدلةً ويحملُ حقيبةً طبيةً، لا يراهُ أحدٌ لاجئاً. يقولُ عنهُ العالمُ: “نجحَ وانتهى الأمرُ.” لكنَّ الأمرَ لمْ ينتهِ ولنْ ينتهيَ عند الدكتور يوسف ما دامَ الوطنُ مسروقاً.
يوسفُ في كتابِهِ يُعلِّمُنا ذلكَ بلا خطبٍ ولا شعاراتٍ. يُعلِّمُنا إياهُ بطريقةٍ يصفُ بها كلَّ محطةٍ منْ محطاتِهِ: بشوقٍ خفيفٍ لما خلَّفَهُ وراءَهُ، وأملٍ محسوبٍ في ما أمامَهُ، وقلبٍ لا يجدُ راحتَهُ في أيِّ مكانٍ تماماً لأنَّ مكانَهُ الحقيقيَّ لا يزالُ بعيداً. هذا هوَ عذابُ اللاجئِ الحقيقيِّ. وهذا الكتابُ يُنطقُهُ بعمقٍ وصدقٍ لا يُضاهيانِ.
ولعلَّ هذا ما يجعلُ يوسفَ عراقيٍّ أكثرَ منْ مجردِ كاتبِ سيرةٍ. فالرجلُ الذي عاشَ هذا العذابَ بصمتٍ ونبلٍ، وحملَ وطنَهُ بكرامةٍ عبرَ سبعةِ بلدانٍ، هوَ بحدِّ ذاتِهِ أفضلُ سفيرٍ يمكنُ أنْ تُقدِّمَهُ فلسطينُ لهذا العالمِ. ليسَ بالخطابِ ولا بالشعارِ، بلْ بما يكونُهُ كلَّ يوم_ أمامَ كلِّ منْ لقيَهُ. الناسُ لا تبني مواقفَها عنِ الشعوبِ منَ الكتبِ والتقاريرِ وحدَها. تبنيها في أغلبِ الأحيانِ منْ معرفتِها بشخصٍ واحدٍ منْ ذلكَ الشعبِ. شخصٌ واحدٌ يلتقيهِ الإنسانُ فيُكوِّنُ منْ خلالِهِ صورةً عنْ شعبٍ بأسرِهِ.
يوسفُ عراقيٍّ عاشَ في موسكو وبيروتَ وألمانيا والإماراتِ والنرويجِ، وزارَ دولاً لا تُحصى. في كلِّ مكانٍ حلَّ فيهِ كانَ هوَ الفلسطينيَّ الذي يعرفونَهُ. وفي كلِّ مكانٍ تركَ أثراً لا يُمحى. ليسَ لأنَّهُ ألقى خطباً أوْ رفعَ شعاراتٍ. بلْ لأنَّهُ أمامَهُمْ كانَ إنساناً كاملاً: طبيباً أخلصَ لمرضاهُ منْ أيِّ جنسيةٍ كانوا ومنْ أيِّ دينٍ كانوا، ومثقفاً قرأَ أدبَهُمْ ودخلَ متاحفَهُمْ وتعلّمَ لغاتِهِمْ وفهمَ ثقافاتِهِمْ، وإنساناً تعاملَ معَ الآخرِ باحترامٍ حقيقيٍّ لا مجاملةٍ زائفةٍ.
وحينَ أجرى عمليةً جراحيةً لمقاتلٍ منَ الميليشياتِ التي حاصرتْ تلَّ الزعترِ وأنقذَ حياتَهُ، وفي يومِ السقوطِ عادَ ذلكَ المقاتلُ وأنقذَهُ، لمْ يكنْ ذلكَ صدفةً.
كانَ ثمرةَ أنَّ الطبيبَ عالجَ منْ أمامَهُ إنساناً بغضِّ النظرِ عمَّنْ هوَ. فالإنسانيةُ بالنسبة لصاحب السيرة والمسيرة الدكتور يوسف لا تُقسَّمُ ولا تُقسِّمُ.
هذا هوَ يوسفُ عراقيٍّ. لمْ يُقدِّمْ فلسطينَ بالخطابِ والاستجداءِ. قدَّمَها بسلوكِهِ وأخلاقِهِ وعلمِهِ ورقيِّهِ وعمقِ إنسانيتِهِ. وكلُّ منِ التقى بهِ في حياتِهِ، في موسكو أوْ برلينَ أوْ أوسلو أوْ لبنانَ، عرفَ شيئاً عنِ الشعبِ الفلسطينيِّ منْ خلالِهِ: أنَّ هذا الشعبَ الذي يُروَّجُ لمحْوِهِ ينتجُ رجالاً بهذا المستوى منَ الإنسانيةِ والرقيِّ والعمقِ. الفلسطينيُّ الذي يعرفُ منَ الروسِ أدبَهُمْ، والألمانِ تاريخَهُمْ، والنرويجيينَ ثقافتَهُمْ، والمريضِ لغتَهُ وألمَهُ بصرفِ النظرِ عنْ جنسيتِهِ، هذا الفلسطينيُّ هوَ منْ يجعلُ القضيةَ حقيقيةً في قلوبِ الناس_ لا مجردَ نزاعٍ سياسيٍّ بينَ أطرافٍ.
ولو سألنا!!!!!!
ما الذي يريدُهُ الذينَ ارتكبوا النكبةَ وما تلاها؟ يريدونَ فوقَ كلِّ شيءٍ النسيانَ. جيلاً لا يعرفُ ما جرى. شعباً بلا جذورٍ وهويةً بلا عمقٍ. لأنَّ الشعبَ الذي لا يتذكرُ لا يستطيعُ أنْ يطالبَ. ويوسف عراقي يعطي الاجابة , اذ يقولُ في مقدمةِ كتابِهِ جملةً جوهريةً: “الذاكرةُ لا معنى لها إذا لمْ تحملْ معها ما يفيدُ الحاضرَ والمستقبلَ.” وجلسَ ثلاثَ سنواتٍ في تقاعدِهِ يكتبُ هذهِ السيرةَ بأمانةِ الطبيبِ لا بمبالغاتِ الأديبِ، لأنَّهُ يعرفُ أنَّ كلَّ يوم يمرُّ دونَ توثيقٍ هوَ يومٌ يربحُهُ النسيانُ.
الجيلُ الشابُّ منْ أبناءِ شعبِنا هنا وفي الشتاتِ أمامَهُ خطرٌ حقيقيٌّ: خطرُ انقطاعِ الذاكرةِ. حينَ تموتُ الأجيالُ الشاهدةُ على النكبةِ الأولى ولا تتركُ ما يحفظُ روايتَها، تبقى روايةُ المنتصرِ وحدَها. وتلكَ الروايةُ تدَّعِي أنَّ هذهِ الأرضَ كانتْ
خاليةً. ونحنُ، بهذا الكتابِ وأمثالِهِ، نُقدِّمُ للعالمِ الدليلَ الحيَّ على أنَّها كاذبةٌ.
وهذا هوَ بالضبطِ ما يفعلُهُ يوسفُ عراقيٍّ في “حدودِ المنفى.” يحفرُ العلامةَ على جذعِ الزمنِ. يُسلِّمُ الخطواتِ للجيلِ القادمِ. أهدى الكتابَ لأبنائِهِ رميا وجمعةَ ورانيا، ولحفيدتِهِ جنةَ وماريا، وحتى لأرواحِ أحفادِهِ الثلاثةِ الذينَ رحلوا باكراً: ميكائيلَ وجبرائيلَ ونوحٍ. كأنَّهُ يقولُ: حتى الفقدُ لا يوقفُ الكتابةَ. حتى الحزنُ لا يُسكتُ الذاكرةَ.
وهذا الصدقُ في التوثيقِ هوَ ما يجعلُ هذا الكتابَ مختلفاً، فيوسفُ لا يكتبُ البطولةَ المجردةَ. يكتبُ الإنسانَ بكاملِهِ. يتحدثُ عنِ الشيخوخةِ ومتاعبِها بصدقٍ فيهِ سخريةٌ هادئةٌ على النفسِ. يذكرُ أحفادَهُ الثلاثةِ الذينَ رحلوا باكراً وكيفَ أنَّ بعضَ الفراغاتِ لا تُملأُ. يتحدثُ عنْ جائحةِ كورونا والحفيدِ الصغيرِ الذي كانَ يقفُ على الشرفةِ يرسلُ لهُ القُبَلَ عبرَ زجاجِ النافذةِ لأنَّ الاحتضانَ صارَ ممنوعاً.
وفي الصفحةِ نفسِها التي يتحدثُ فيها عنْ هذهِ اللحظاتِ الصغيرةِ الحميمةِ، يتحدثُ عنْ غزةَ وعنِ النكبةِ المستمرةِ.
الشخصيُّ والجماعيُّ متشابكانِ في روحِهِ تشابكاً لا انفصامَ فيهِ. وهذا هوَ بالضبطِ ما تعنيـهِ أنْ تكونَ فلسطينياً في هذا الزمنِ.
ويبقى في خاتمةِ كتابِهِ محتفظاً بشيءٍ نادرٍ بعدَ كلِّ هذا العمرِ الطويلِ وكلِّ هذا الجرحِ: الأملُ. يكتبُ عنْ شجرةِ الخوخِ في حديقةِ منزلِهِ في النرويجِ، عاريةً تحتَ الثلجِ في الشتاءِ، تصمدُ وتحلمُ بالربيعِ القادمِ. “هكذا يتراءى لي حلمُ العودةِ ويمنحُنِي الأملَ المتجددَ.” رجلٌ تجاوزَ الثمانينَ، عاشَ في سبعةِ بلدانٍ ولا يزالُ، ورأى ما رأى، وما زالَ يرى في الشجرةِ العاريةِ وعداً بربيعٍ قادمٍ.
يا أبا جمعةَ،
اليومَ وقدْ أصدرتَ “حدودَ المنفى”، أقولُ:
اللاجئونَ الذينَ رسموا بموتِهِمْ لوحاتٍ لمْ يموتوا كلياً. لأنَّ أمثالَكَ كتبوا عنهُمْ. وما
يُكتَبُ لا يموتُ, ومن كتب عنه لا ينسى.
قطارُكَ لمْ يتوقفْ ولنْ يتوقفَ يا د. يوسفُ. لكنَّهُ اليومَ يحملُ معَهُ هذا الكتابَ، وهذا الكتابُ سيسافرُ بعدَكَ في قطاراتٍ أخرى وإلى محطاتٍ لمْ تصلْها بعدُ.
شكراً لأنَّكَ لمْ تنسَ. وشكراً لأنَّكَ علَّمتَنا أنَّ الإنسانَ
الحرَّ هوَ الذي لا يسمحُ لأحدٍ بمصادرةِ ذاكرتِهِ ولا بمصادرةِ إنسانيتِهِ.
تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.