أحمد يوسف ضميري: خواطر.. في “حدود المنفى- قطار ومحطات” للدكتور يوسف عراقي

أحمد يوسف ضميري
في ذات يوم، قدّم إليّ صديقي فؤاد نقارة هديةً قيّمة، كان من بينها كتاب، فأخذت أغوص في عناوين الكتب وأقلّب صفحاتها؛ ليقع بين يديّ كتابٌ أصدره نادي حيفا الثقافي بعنوان “حدود المنفى.. قطار ومحطات”، وهو سيرة ذاتية للطبيب يوسف عراقي.
فسألت نفسي:
من يوسف عراقي؟
أأقرأ سيرته وأنا لا أعرفه؟
توقفت قليلًا وقلت: لا مانع أن أكتشف الكتاب في بضع وريقات أقرأها، ثم أؤجل قراءته إلى وقت لاحق.
وفي أولى صفحات سيرته، إذا بي أتفاجأ باسم “أحمد حسين الشريف”، ذلك المعلم الذي درّس في مدرسة الضمايرة الحكومية قبل أن يُهجَّر أهل قريتنا، وتُدمَّر المدرسة والقرية بعد ذلك بسبب حرب عام 1948.
هناك أخذني الفضول إلى متابعة القراءة؛ لأكتشف أنه صاحب كتاب “يوميات طبيب في مخيم تل الزعتر”، ذلك الكتاب التوثيقي الشهير والمرجع الأساسي عند الحديث عن مجزرة مخيم تل الزعتر.
ومنذ تلك اللحظة أصبح الكتاب ملازمًا لي، أقتنص الوقت لإكمال قراءته، وأنا أفكر فيما سيحمله المشهد التالي.
فالكتاب من القطع الكبير، ويقع في 494 صفحة، ويضم 126 عنوانًا، لا يعدو كل منها أن يكون مشهدًا علّق عليه المؤلف أو محطةً مرّ بها في حياته. ورغم أنها عناوين أو مقاطع، فإن في ثناياها أكثر من حكاية؛ ففيها حكاية الطفل الذي تربى في مخيم اللاجئين بعد أن هُجِّر قسرًا من قريته عرب الرمل، قضاء حيفا، ليخوض غمار الحياة بعد الثانوية العامة، متنقلًا بين الدراسة في القاهرة، ثم العودة إلى لبنان، ثم المثابرة لاستكمال دراسته مرة أخرى، ولكن في روسيا، لينتظم بعدها في صفوف حركة فتح، ثم يعود للعمل في جمعية الهلال الأحمر التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهناك يسجل العديد من المشاهد، قبل أن يغادر إلى السودان وألمانيا، ثم إلى النرويج، لتكون محطته الأخيرة، آملًا أن يختتم حياته بالمحطة الأخيرة، وهي العودة والاستقرار في وطنه مواطنًا فيه.
وفي الوقت نفسه، يقدم الكتاب سيرة المخيم الفلسطيني؛ من البدايات الأولى للجوء، وقسوة الحياة، إلى سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، وما رافقها من مآسٍ عاشها الفلسطينيون، وصولًا إلى التحولات الاجتماعية التي شهدتها المخيمات إلى الأسوء، حتى غدت مساكنها تضم جنسيات متعددة، بعدما كانت للاجئين الذي عرفوا بمحبتهم وحرصهم على بعض.
وأنا أقرأ تلك الصفحات، استحضرت أحاديث والدي عن مخيم طولكرم؛ كيف بدأت حياة اللجوء فيه، وكيف تبدلت أحواله إلى الأسوأ أخلاقياً بعد أن سكن فيه تجار المخدرات وغيرهم في منازل اللاجئين الذين تركوا المخيم، ناهيك ما عاناه أهله من الاحتلال خلال الانتفاضات. عندها أدركت أن المخيمات الفلسطينية، مهما اختلفت مواقعها، تحمل الوجع ذاته، والحكاية نفسها، وإن اختلفت القصص وتفاصيلها.
ويحكي الكتاب ثورةً مرّت في لبنان، ومشاهد وحوادث كان المؤلف شاهدًا عليها في الثورة الفلسطينية، ليصبح الكتاب أكثر من مجرد سيرة ذاتية، بل وثيقة تاريخية، إضافة إلى ما دوّنه في مذكراته “يوميات طبيب في مخيم تل الزعتر”.
وسألت نفسي:
لماذا تغيب هذه الكتب وهذه الأسماء عن إعلامنا الفلسطيني؟
ولماذا لم أسمع باسم المؤلف، أو عن إشهار كتابه في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، رغم دوره المهم والبارز في جمعية الهلال في السبعينيات والثمانينيات، وتوثيقه لدور الجمعية في الحرب الأهلية اللبنانية؟
إنه كتاب يستحق أن يُسلط الضوء عليه؛ لأنه لا يروي حكاية رجل واحد، بل يروي حكاية فلسطين. وكيف لا، وكل فلسطيني يحمل في داخله رواية بدأت مع نكبة عام 1948، وما تزال فصولها تُكتب حتى اليوم.
ومن أكثر ما شدني في الكتاب صدقه العاطفي. ففي إحدى صفحاته توقفت طويلًا، وقد غلبتني الدموع، لأنني وجدت نفسي أستعيد المشاعر ذاتها عندما رأيت بقايا منزل جدي في قضاء حيفا.
يقول الدكتور يوسف عراقي واصفًا زيارته الأولى للوطن:
“حوالي الساعة التاسعة مساء، بدأت أنوار تل أبيب تتراقص في الأفق البعيد في تلك الشديدة الظلمة، بدأ قلبي بالخفقان بسرعة.. أخذت الأنوار الخافتة تقترب شيئًا فشيئًا، ومعها يزداد خفقان قلبي، وقشعريرة متزايدة غزت كل مسامات جسدي، ومشاعر جياشة كأمواج متلاطمة، لامست شغاف القلب، وشعور تعجز الكلمات عن وصفه!”
كانت كلماته صادقة إلى الحد الذي جعلها تستحضر في داخلي مشاعر كل فلسطيني طال انتظاره للحظة العودة.
كما لفتني حسن توظيفه للاقتباسات؛ فلم تكن حشوًا ثقافيًا، بل جاءت منسجمة مع السياق، ومعبرة عن الفكرة، وكاشفة عن سعة اطلاعه. حتى عندما تحدث عن قصة زواجه، اقتبس قول الكاتب الأمريكي مارك توين: “اتبع قلبك، لكن خذ عقلك معك”.
وهذا كله ليس إلا غيض. ,إن وصلت هذه الكلمات إلى الدكتور يوسف عراقي، فسأقول له: إن لم تكن فلسطين محطتك الأخيرة، فإن كتابك قد وصل إليها، وستبقى سيرتك حاضرة في ذاكرتها. فذلك، في تقديري، هو الوصول الحقيقي، وهو المحطة الأخيرة التي يطمح إليها كل إنسان وطني مثقف. أن يخلد ذكراه وعلمه أبد الدهر في وطنه، فالناس موتى وأهل العلم أحياء.


تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.