د. يوسف عراقي:“حدود المنفى… قطار ومحطّات”

د. يوسف عراقي:

الأخوات والإخوة الحضور الكرام السلام عليكم
يسعدني ويسرّني أن يحتضن نادي حيفا الثقافي اشهار كتابي للمرة الثالثة، هذا النادي الذي أصبح بعد ما يقارب العشر سنوات بمثابة الحبل السري الذي يربطني بالوطن الام.
كانت فكرة كتابة السيرة الذاتية تراودني منذ سنوات، أًخَذَت حينها شكل رسائل كنت اكتبها لأبنائي، منذ قدومي لمملكة النرويج قبل 38 عاماً، ولكن فكرة نشرها في كتاب لم تنضج إلا بعد خروجي إلى التقاعد، شعرت ان الوقت قد حان، مع دخولي المرحلة الأخيرة من رحلة العمر قبل مغادرة هذا العالم وبعد إلحاح من بعض الأصدقاء خاصة الصديق العزيز الأستاذ فؤاد نقارة.
رأيت هذا من واجبي وخاصة ان للفلسطيني سيرة ذاتية متفرّدة، حيث لا انفصام بين العام والخاص، بسب التحامها اللصيق بسيرة الوطن، وهي بذلك تساهم في صياغة الذاكرة الجماعية لشعبنا .
لقد القت النكبة بظلالها الثقيلة طوال هذه العقود الماضية على تفاصيل حياتنا اليومية، وخاصة في هذه المنافي البعيدة حيث فقدان المكان يشتد حضوراً، مما جعلني أتشبث بالزمن، صوناً للذاكرة من الفناء. ربما طرأ على ممارساتي وسلوكي وطريقة تفكيري بعض التغييرات، نتيجة اختلاطي بطيفٍ واسعٍ من الشعوب التي تختلف عنّا في ثقافتها وعاداتها وتقاليدها، غير ان ثمة عنصراً جوهرياً مازال متاصلاً في داخلي ولم يتغييرطوال هذه السنين، بل ازداد تجذراً وهو تعلقي بالوطن الام.
لقد كانت رحلة طويلة حملت في طياتها ذكريات الطفولة القاسية مروراً بدروب الصبا والشباب بوعورتها وتشعُبها، وصولا إلى مرحلة النضوج وجنيّ الثمار بحلوها ومرّها، وما رافقها من آمال عريضة، محفوفة بالعقبات والنجاحات.
كانت رحلة حياةٌٓ غنيّة نتيجة لتعدد المنافي بتنوعها الثقافي والإثني. ومن خلال مهنتي كطبيب فقد اتيحت لي ايضاً الفرصة، للتعرف على أنماط مختلفة من البشر من جنسيات مختلفة ومشارب متعددة. لقد استفدت ومع كثيرٍ من الامتنان والعرفان من خبرات الكثيرين ممن وضعتهم الأقدار في طريقي، كما أنني لربما قد أفدت بدوري ممن كانوا بحاجة لخبرتي طوال هذه السنين.
لقد اتسعت حدود المنفى عبر السنين حتى بلغت أقصى الشمال الاسكندينافي وعلى بعد رمية حجرٍ من الدائرة القطبية. أما القطار فقد رافقني منذ نعومة أظفاري عندما شاهدته لأول مرة على مقربة من مدرستي الأولى، حيث تكرر حضوره في محطاتٍ مختلفة اثناء رحلتي في هذه الحياة. هذا القطار الذي اقترن برمزية مسار الحياة في أدب وفلسفة الأديب الروسي العظيم “ليو تولستوي” حيث كان القطار يرمز لرحلة الحياة، حتى ان الكاتب كان قد توفي في احدى محطات القطارالنائية.
الحضور الكرام
كتابة السيرة الذاتية هي حديثة العهد في ثقافتنا العربية، فهي بعكس الرواية تتميز بانكشاف الذات، وتشكل اختياراً صعباً عند البعض، فيذهب الكاتب إلى السرد الروائي حيث يتخفى داخل الرواية.
كم هو حريٌّ بنا نحن الفلسطينين التركيز على كتابة سيرنا الذاتية والغيّرية، لأنها تشمل اللبنات الحقيقية في بناء ذاكرتنا الجماعية، والتي تشكل جسراً للعبور إلى المستقبل، لتستفيد الأجيال من تجارب من سبقهم بما فيها من دروس وعِبَرنتيجة الـنجاحات وإلاخفاقات، لما فيه من خدمة للهدف النبيل آلا وهو تجذرنا في ارض الأجداد. ولا يغيب عني في هذا المقام، التأكيد على أهمية التاريخ الشفوي لإنقاذ الحقيقة من الغياب والضياع في غياهب النسيان، مما تغافلت عنه كتب التاريخ التي ُكتبت لإرضاء رغبات أهل الحل والعقد. فالعودة للماضي ليست ترفاً بقدر ما هي حاجة ملحّه لاستنطاق الزمن واستخلاص الدروس والعبر. وهذا ما كان ديدني في هذا الكتاب وهوالبوح بكل ما يصب في منفعة القارئ مبقياً طيّ الكتمان ما لا طائل منه.
وفي ختام هذه الرحلة الطويلة والشاقة في قطار الزمن، وصلت إلى آخر المحطات في سيرتي الذاتية متأبطا ً أذرع الأمكنة والناس الذين مروا في حياتي معبّراً لهم عن وفائي وامتناني، تغمرني أريحية فريدة من نوعها، بعد ان وضعّتُ فيها نفسي امام محكمة القراء والتاريخ.
بكم افتخر وبجميع القائمين والناشطين والمساهمين في هذا المشروع الثقافي، النبيل وهو نادي حيفا الثقافي، مع احتراميي وتقديري وتمنياتي لكم بالمزيد من التألق والعطاء، ومتابعة هذه المسيرة الرائعة بهذا السخاء الثقافي المعهود الذي يمدنا هنا في المنافي بدِفأ الوطن ورائحة الأرض الطيبة التي تمنحنا الطاقة بالاستمرار والبقاء على قيد الامل رغم كل الصعاب.

شكرا لكم مرة أخرى لكم مني كل الشوق والمحبة.
شكرا لإصغائكم وسلام لكم وسلام عليكم وعلى حيفا وباقي الوطن

تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.

شاهد أيضاً

سمير الخطيب:  المنفى محطاتٌ والوطنُ بوصلة

سمير الخطيب:  المنفى محطاتٌ والوطنُ بوصلة الحضورُ الكريمُ، أصدقاءُ الدكتورِ يوسفَ عراقيٍّ وأصدقاءُ الكلمةِ الحرةِ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *