د. خالد تركي: نافِذَتي تُطلُّ على كتابٍ توثيقيٍّ “بيت جن، ممرٌ ومقرٌّ”

د. خالد تركي

يقول الشَّاعر الشُّيوعيُّ العراقيُّ ذياب مهدي محسن:

لا أَعرفهم: لكنِّي أَعرفُ فيهم قَلبي

لا أَعرفهم: لكنِّي أَعرف فيهم دَربي

لا أَعرفهم: لكنِّي أَعرف فيهم زَمني أَعرف فيهم وَطني

أَعشقُكم..

طالعنا الكاتبان والأُستاذان العزيزان مالك حسين صَلالحة وعادل إِسماعيل خطَّار حمُّود، بكتاب فريدٍ من نوعه، بحُلَّة قشيبةٍ جميلةٍ، تظهر فيها صورة بيت جن الأَبيَّة في أَعالي جبل الجرمق في جليل بلادي، يحكي لنا بشكلٍ توثيقيٍّ محكيٍّ عن بيت جن وأَهل بيت جن حين استضافوا اللاجئين والنَّازحين وأَحسنوا وفادتهم وأَبدعوا في احتضانهم وعنايتهم وحمايتهم من مجهول مكروهٍ، حيث تقاسموا معهم لقمة العيش بكرمٍ وجودٍ وتفانٍ زمن النَّكبة، تحت عنوان “بيت جن ممرٌّ ومقرٌّ”..

بيت جن “بلد الشَّجاعة والأَصالة” (ص 13، رقم لاتيني)..

إِنَّها السِّيرة الفلسطينيَّة..

إِنَّها التَّغريبة الفلسطينيَّة..

إِنَّها سيرةٌ ذاتيَّةٌ وسيرةٌ غيريَّةٌ..

سيرةٌ تكشف للطَّامعين في أَرضنا سيرة ما حدث يوم نكبة شعبي، من طردٍ ومعاناةٍ ومآسٍ واضطهادٍ وطردٍ وتخويفٍ وإِجحافٍ وظلمٍ وقهرٍ..

إِنَّ هذه السِّيرة هي حديثٌ صحيحٌ ومسندٌ، لا لُبس في صدقه..

حيث يُحدِّثنا الأُستاذان العزيزان عن خالد تركي عن والده إبراهيم تركي ووالدته أُم خالد سعدى عن جدِّه جريس وجدَّته صديقة ما حدث في ذلك اليوم وفي تلك الأَيَّام التي استمرَّت أَربعة أّشهر، تقاسم أَهل بيت جن مع أَهلي كلَّ مكوِّنات ومتطلَّبات الحياة الكريمة من مأكل ومشرب ومسكن ومأوى وملبَسٍ وخدمة حافظوا على عائلتي بأَشفار عيونهم وقلوبهم، “اللي بصير علينا بصير عليكو، إِبقوا هنا عنَّا” لقد حمونا ومنعوا منَّا خسارة الوطن وخسارة البيت، حيث حالوا دون هجيجنا إِلى أَحضان “ذوي القُربى” وما أَدراكم ما هو ظلم ذوي القربى، ما هو ظلم بني أَبينا..

لقد تميَّز الكتاب بالجملة اللازمة في جميع المقابلات “إِبقوا هنا واللي بصير علينا بصير عليكو”، لقد ربط أَهل بيت جن الشُّجعان مصيرَهم بمصير أَبناء شعبهم الواحد، دون تفرقة، حيث صدح صوت واحد من جميع البيوت والحارات والأَزقَّة والكروم والحواكير..

نلاحظ في الأَحاديث والروايات المحكيَّة أَنَّها تتقاطعَ بعضها مع بعض، تتشابه وتتطابق بعضها ببعض ممَّا يُثبت صدقَها..

إِغاثة الملهوف والمفجوع وحمايته والذَّود عنه، إِنَّه حقُّ الطَّنابة عند العربيِّ الأَصيل وهنا بانت مرؤة أَهل بيت جن..

والكتاب شاهدٌ على الحقائق والأَحداث، شاهدٌ على سقوط الوطن، شاهدٌ على ضغينة المحتلِّ وحقدهِ، على النُّزوح والعذاب واللجوء، غنيٌّ بشهادات وأَحاديث الأَهل اللاجئين أَنفسهم، من جميع الطَّوائف والملل والمذاهب، الذين سكنوا هذه القرية الكريمة والمعطاءة، بيت جن، التي أَعطت كلَّ ما تملك من أَجل الحفاظ على بقاء النَّازحين في وطنهم ومع عودتهم إِليه واحتضانهم ومنعهم من اللجوء إِلى وطن “ظلم بني أَبينا”..

بيت جن هي الحضن الدَّافئ والرَّاعي الصَّالح والأَب الحنون والأُم الرَّؤوم الرَّؤوف، حيث يبيِّن لنا هذا الكتاب التَّفاني والمحبَّة والإِخلاص والإِيثاريَّة التي اتَّبعها أَهل بيت جن مع شعبي النَّازح والمهجَّر عنوةً، يبيِّن لنا مَن هو الذي خذَل شعبي في ذلك العام من جيش الإِنقاذ والرَّجعيَّة العربيَّة وعيون العسس الجواسيس من أَبناء جلدتي وحركة صهيون والانجليز، وعلى ذلك تحدَّث الكثيرون من الذين تمَّت مقابلتهم، وهذا الكتاب شاهدٌ على عمق جرح النَّكبة النَّازف باستمرار، الذي يُبيَّن لنا فداحة الجريمة على أَنواعها..                                                                                                                                                                                                            أَسماء محفورة في ذاكرتي وذاكرة أَهل بيتي بماء الذَّهب وخيوط نور الشَّمس مزيَّنةً بنوَّار زهر الزِّيتون، وستبقى إِلى ما شاء الله لها أَن تكون، بيت آل صلالحة بيت الشَّيخ الجليل أَبو مالك حسين صلالحة، بيت المختار الشَّيخ عبد الله أَبو عبسي أَبو شفيق نجم، بيت علي اليوسف أَسعد أَبو كنج، وبيت محمود كنج قبلان، نذكرهم بالخير والعرفان والفضل والبرِّ والإِمتنان والمعروف من بني معروف الأَصايل أَهل المعرفة والخير والجَميل ما دام الدَّم يجري في عروقي وعروق أَهل بيتي..

ما أَعظم وما أَجمل هذا الجَميل وما أَجملَ أَن يُردَّ الجميلُ بالجميلِ..

ومن حقِّ ذوي الفضل علينا أَن نذكرَ أَفضالِهم ونعزَّهم ونفتخر بِهم ونفاخر بهم..

وَمَن يَكُ ذَا فَضلٍ فَيَبخَلُ بِفَضلِهِ عَلَى قَومِهِ يُسْتَغنَ عَنهُ وَيُذمَمِ

بيت جن لم تبخل البتَّة..

بيت جن ذو فضلٍ علينا..

نبقى على العهد يا بيت جن لأَنَّ العهد والوفاء من صفات وشيَم الأَحرار..

وعليكم مِنـا سـلامُ اللهِ يا أَهلنا على قمم الجرمق الشَّريف ما بَقِيَ فينا نبضٌ ودمٌ وروحٌ..

لم تتجسَّد أَخلاقكم الحسنة وكرمكم فقط في عام النَّكبة، بل استمرَّت بيت جن بأَخلاقها الحميدة بإِغاثة الملهوف وإِكرام كرام القوم.

لقد جاء في كتابي حماة الدِّيار (ص 193):

أَمَّا عمليَّة النَّفي الثَّانية لأبي سلام (الرَّفيق محمَّد أَبو إِصبع من الطَّيِّبة، المثلَّّث) فقد كانت إلى قرية بيت جن، وذلك في شهر نيسان من العام ألفٍ وتسعِمائةٍ وسبعةٍ وخمسين بعد أن عقد الفرع اجتماعًا للدِّفاع عن حقوق الفلاحين في منطقة المثلّث، الأمر الذي استفزَّ الحاكم العسكريِّ وقام بنفي الرِّفاق “لأنّنا كنّا نُدافع فيه عن حقوق الفلاحين، وأَذكر أَنَّه كان من بين الرِّفاق المنفيِّين: شاكر عازم ولطفي فارس وعبد الكريم أَبو راس وعبد الرَّحيم عازم وابراهيم بيادسة ومصطفى اشريِّم عازم ومحمود الحصري (أبو العفو)”.

ويتابع أَبو سلام قوله: “ووقف مختار الحارة الشَّرقيَّة في بيت جن، أَبو محمود الكنج قبلان، مرحِّبًا بنا وساردًا لنا تحريض الشُّرطة علينا وأَعلن أَنَّ بيوتهم مفتوحة لنا وسيضعوننا في عيونهم”.

وهنا أَيضًا وزَّعوا الرِّفاقَ إلى فرقتين وإِلى بيتين بحيث يُمنع عنهم منعًا باتًّا النَّوم داخل البيوت وعندما سمع المُختار أبو محمود الكنج قبلان طلب الشُّرطة، رفضه وطالبها بالسَّماح له بإيواء جميعهم، لكنَّهم في النِّهاية سمحوا فقط لأربعة من المنفيِّين البقاء في بيت المختار أبي محمود والباقي عند مختار الحارة الغربيَّة أبو رفيق نجيب علي أَسعد، ويتابع حديثه: “لقد أثبتَ سُكَّان بيت جن أَنَّهم عربٌ أقحاحٌ كباقي أَبناء شعبهم، كريمو النُّفوس وأَنَّهم أهلٌ للضِّيافةِ حيث كانوا يتناوبون لتقديم الغداء والعشاء وكلَّ ما نحتاجه خلال النَّهار، زد على ذلك زيارات الرِّفاق من الجليل ومن النَّاصرة حيث كان يأتي رفيقنا محمَّد نفَّاع (أبو هشام) لزيارتنا مع كلِّ وفد. لقد كان علينا إِثبات وجودنا في مركز الشُّرطة، في ترشيحا، حيث كنَّا نسير مشيًا على الأَقدام ونذهب إلى قرية البقيعة حيث كان صديقنا الصَّدوق شفيق متري يستقبلنا ويُكرِمنا وينقلنا بسيَّارته، يوميًّا، إلى شرطة ترشيحا”.

“عندما دعا السيِّد أبو حسين شقيق مختار الحارة الشرقيَّة، أبو محمود الكنج قبلان، المنفيِّين إلى وليمة عشاءٍ، ليُحسن وفادتهم، ذبح ذبيحةً كرامةً للرِّفاق “وإذ بالضَّابط الألماني الأصل، الملعون ماير يدخل الدَّار ليرى الطَّاولة مفتوحة وعامرة بالصُّحون الكبيرة المليئة باللحم والشَّحم والأَرز، مخيِّرًا إِيَّانا، إِمَّا الذِّهاب معه إِلى مركز الشُّرطة في ترشيحا حالاً أو نذهب إلى هناك مشيًا على الأَقدام وفضَّلنا الخيار الأوَّل، يعني طلِعنا في هذيك الليلة بدون عشاءٍ فاخرٍ! وقد قام المختار لاحقًا باستنكار هذا العمل الدَّنيء وبتقديم دعوى، طالبًا فيها من شرطة طبريَّا أن تخفِّف من إجراءاتها وأن تكتفي بإِثبات وجود يوميِّ مرَّةً واحدةً، وكان له ما طلب”..

لقد قال أُستاذي ورفيقي طيِّبُ الأَخلاق برفيسور جمال زيدان، مدير قسم الأَورام السَّرطانيَّة في مستشفى صفد، في مقدمته للكتاب “استطاع أَهل بيت جن إِعادة عشرات الآلاف وأَكثر ليبقوا في وطنهم بينما عجزت جيوش عربيَّة كاملة إِعادة لاجئٍ فلسطينيٍّ واحدٍ إِلى الوطن.”(ص 11، رقم لاتيني)، كم أّنت صادقٌ بهذا القول!

لقد قُدِّر عدد اللاجئين في بيت جن بأَربعين أَلف نسمة أَو يزيد، من رجال ونساء وأَطفال، بينما كان عدد سكَّان البلدة أَلف وخمسمائة وسبع وأَربعين نسمة، بالتأكيد كانت كلُّ البيوت مُضافة ومليئة بالنَّازحين، والباقي سكن في الحارات والحواكير والبيادر والأَزقَّة والمُغُر وأَسطح المنازل..

بيت الضِّيق بيسع مائة صديق، فكم بالحري أَشقَّاؤكم..

لقد كانت قرية بيت جن يوم نكبتنا قِبلة اللاجئين من جميع أَطياف وطوائف شعبنا ومحجَّهم..

يحمل لنا هذا الكتاب، في كثير من المقابلات، شهادات محكيَّة عن فضائح جيش الإِنقاذ كيف كان عالة على العائلات والسُّكَّان وليس ناصرًا لهم أَو مغيثًا، من أَديب الشِّيشكلي وفوزي القاوقجي ووصفي التَّل وغيرهم، هم الذين تآمروا على أَهل البلاد الأَصليِّين مع المحتلِّين، وكانوا يشجِّعون أَهل بلادي على النُّزوح بعد أَن سلَّموها “بثلاثين من الفضَّة”، قبضوا، ومن بعدها أّتَّهموا كلَّ من أَراد البقاء في الوطن بالخيانة..

ومقولتهم المشهورة ماكو أَوامر..

لقد إِتهمَتنا الدَّول العربيَّة بالخيانة لأَنَّنا بقينا في وطننا..

لقد إِتَّهمت الجزءَ الحيَّ القابض على جمر البقاء والثَّبات والمعاناة والإِضطهاد والصُّمود والنِّضال بالخيانة..

يقول شاعرنا توفيق زيَّاد “عانينا كثيرًا من أَنَّ العالم العربيِّ اعتبرنا وكأَنَّنا غير وطنيِّين، لأَنَّنا بقينا في وطننا” (المتفائل، سيرة حياة توفيق زيَّاد الإِجتماعيَّة، لتمير سوريك ص 109)، وعندما كتب قصيدته “أُناديكم” التي كانت “تُطالب القصيدة الشَّتات الفلسطينيَّ أَيضًا أَلا ينسى إِخوته الذين بقوا تحت الحكم الإِسرائيليِّ”(نفس المصدر ص 110)..

“وأَبوس الأَرض تحت نعالكم وأَقول أَفديكم”..

جيش الإِنقاذ..

لقد انسحب فيلق جبل العرب بقيادة شكيب وهَّاب، على مضض، من قَريتَي الهوشة والكساير قضاء شفاعمرو وذلك “بعد أَن تبيَّن أَنَّ جنوده أُصيبوا بالرَّصاص في الظهر وليس في الصَّدر، ممَّا يدُلُّ أَنَّهم تعرَّضوا للخيانة والمؤامرة..”(ص 207) لكنَّهم صمدوا “إِلى أَن نفذت ذخيرتهم وانقطعت النَّجدة لا بالرِّجال ولا بالسِّلاح”(ص 226)، “لكنَّه لم يستجب لنداءاته ولم يهُب لنجدته (جيش الإِنقاذ خ.ت.) فسقط العشرات من الجنود الدُّروز بين قتيل وجريحٍ”(ص 240)، “جيش الإِنقاذ الذي كان في فراضية، قام بالإِنسحاب بشكل مفاجئ”(ص 326)، “إِحنا فلِّينا من ميرون لأَنَّ جيش الإِنقاذ بلا شرف، ومنخاف يتعدُّوا على العرض عنَّا، وبدناش نتهاوش إِحنا ويَّاهما” (ص 337)، “فقد كانوا يسلبون غذاء النَّاس بالقوَّة من خبزٍ وطعامٍ..”(361)، “وظلموا السُّكَّان بتعدِّياتهم ونهب قوت النَّاس من خبزٍ وزيتٍ ودجاجٍ وبيضٍ ومؤنٍ أُخرى”(ص 504)..

“وطلب منِّي أَن أَنقله إِلى مخيَّم الجيش، لكنَّني رفضتُ إِذ ليس بمقدوري حمله ونقله، فهدَّدني..ممَّا حدا به أَن يضربني ضربًا مبرِّحًا..”(ص 564)..

         “وأَعطاهم أَبي قنِّينتين من العرق وهكذا إِنحلَّت المشكلة”، (ص 457) للقائد الشِّيشكلي، إِنَّها شهادات متشابهة وعيِّنات عن جيش الإِنقاذ ومساهمته في ضياع الوطن ولم يأتِ هذا الجيش ليحمي أَهل الوطن..

قال لي جدِّي جريس تركي أَبو فوزي مرَّةً إِنَّ وصفي التَّل طلب منه قدَّاحته ودخَّانه ولم يُرجع له ما أَخذه..

يقول سلطان باشا الجبل في لقائه مع أَهل البلاد من بني معروف وقت النَّكبة في عرينه في القريَّا: “أَرفض أَن تنزحوا وتتركوا دياركم ليسكنها اليهود..” وتابع يقول “وزعماء العرب من ملوك ورؤساء متآمرون على تسليم البلاد لليهود، إِنَّ من يهاجر ويترك بيته فلا سبيل لعودته إِليه، فمن الأَفضل أَن تموتوا في أَرضكم من أَن تصبحوا لاجئين” (ص 26)..

“الأَرض والعِرض والوطن ممنوع التَّفريط به”(ص 634)..

أَهل المروءة..

لقد جاء في الحديث الشَّريف “إِذا أَتاكم كريمُ قومٍ فاكرموه”، وحين علم أَهل بيت جن بقدوم مختارٍ ما إِلى القرية هاربًا وأَهله من ظلم عصابات صهيون، قاموا باستقباله وأَهله استقبالاً يليق بمقامه وقيمته الإِجتماعيَّة كمختار السَّمُّوعة “عندما سمع أَنَّ مختار ووجيه قرية السَّمُّوعة الحاج صالح شقير متواجد هناك، توجَّه ودعاه هو وعائلته من زوجة وأَولاد وبنات ليحلُّوا ضيوفًا على بيته..” (ص 123)..

تواردت كثيرًا أَسماء القرى التي التجأ أَهلها إِلى بيت جن يوم نكبة شعبي، كفر عنان وفرَّاضية والصَّفصاف والسَّمُّوعة والجش ومُغر الخيط ويركا ونحف وميرون والدَّامون والحدثة والرويس والدَّامون والرِّينة وسخنين وعيلبون ومجد الكروم والحولة والمجدل وبلعة وصفد ودير القاسي والنَّاصرة وحيفا والرَّامة والرَّاس الأَحمر وعين الزَّيتون والقبَّاعة وماروس ولوبية والمغار ودير حنَّا ونمرين ونصر الدِّين وياقوق ومجد الكروم وغيرها من القرى..

ويحضرني هنا ما كتبه المؤرِّخ الشُّجاع آدم راز في ملحق صحيفة “هآرتس” (27/02/2026) تحت عنوان “يجب تنظيف المِنطقة من العرب. كلُّ عربيٍّ يُصادَف يجب إِبادته”:

“كيف تُهجَّر قرية؟ تُقطع أُذن أَحدِ العرب أَمام الجميع فيهربون جميعًا. في الواقع، لا تُهجَّر قرية إِلا بطعنِ أَحدهم في بطنه أَو ما شابه ذلك من أَساليب. لم ننتصر إِلا بفضل الخَوف الذي كان يُسيطر على العرب، ولم يكونوا يخشون إِلا الأَفعال غير القانونيَّة” (هآرتس ص 22)، “كان الهدف هو الطَّرد”، “من المستحيل طرد مائة وأَربعة عشر ألفَ شخصٍ كانوا يعيشون (في الجليل) دون ترهيب، وكان لا بدَّ من وجود عنصر من الترَّهيب الأَوَّلي ليغادروا”، “كانت هناك عملياتٌ دمَّروا فيها العدوَّ المحتمل، أي المدنيِّين” (هآرتس ص 21)، “كان لا بدَّ من استخدام الإِرهاب كي يرحل العرب” (هآرتس ص 22)، “ينبغي تطهير المنطقة من العرب”، ” وماذا لو أَصرَّ ساكنٌ عربيٌّ على البقاء في بيته؟”، “يتلقَّى رصاصة”، قال بن دافيد، “من دون أَيِّ قيدٍ، إِطلاق النَّار على كلِّ عربيِّ                         وبالتَّالي لا فرق إِن كان رجلًا أو امرأةً، مسلَّحًا أَم غيرَ مسلح، هاربًا أَم رافعًا                                                                          يديه مستسلمًا. إِذا رأَيتَ عربيًّا أَثناء الدَّوريَّة، فعليكَ أَن تُطلق النَّار عليه” (هآرتس ص 21)..

 “واختاروا أَربعة عشر شخصًا وقاموا بإِعدامهم رميًا بالرَّصاص، ممَّا أَرعب السُّكَّان”(ص 396).                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      “وانتخبوا عشرة شباب صفُّوهم وتمَّ إِعدامهم رميًا بالرَّصاص”(ص 367).

“حتَّى وهم هاربون من بيوتهم أَطلقوا النَّار عليهم”(ص 368)..

“وجدناه مقتولاً وفجأَة جاء جنود من الجيش وقالوا إِذا بتظلُّوا هون، كلكو بتتكوَّموا عليه”(ص 409).

“وهناك وجدوا سبعة شُبَّانٍ من البلد مقتولين ممَّن كانوا قد اعتُقلوا في البداية”(ص 510)..

“أَطلق النَّار عليه، واستشهد في الحارة..بل أَعدموا ابن أَخيها وابن أُختها وحفيدها”(ص 462)..

“..إِختاروا في البداية تسعةً، ثمَّ عادوا واختاروا تسعةً، وفي كلِّ مرَّة كانوا يصفُّونهم بجانب الحائط ووجوههم إِلى حائط ثمَّ يعدمونهم رميًا بالرَّصاص”(ص 576)..

“في واحد راعي من الجشِ كان مع جنود الهجاناة شاهد لمَّا رموهن (القتلى ثمانية وستِّين) في البير إِجو أَهل الجشِّ مع الرُّعيان قاموهن من البير ودفنوهن..َهل الجشِّ أَ” كانوا من قرية الصَّفصاف (ص 589)..

وقد وحدَّثتني والدتي أُم خالد عن جثثِ الشَّباب التي كانت مُعلَّقة على “السَّجر” في بساتين وكروم كفر عنان..

الكتاب شاهدٌ على حقيقةٍ تاريخيَّةٍ وهي تطهيرٌ عرقيٌّ ونهبٌ وإِبادةٌ جماعيَّةٌ وقهرٌ وإِذلالٌ وظلمٌ وضيمٌ..

 لقد جاء في كتابي “حيفا في ذاكرة برهوم كي لا تُنسى”:

“لن نترك حيفا، اعلنتُها وأنا في عُبِّه وكذلك أشقَّائي ووالدتي، “حبُّ الوطن قتَّال”، لا بديل لنا عنه، الوطن هو الأم، لكنَّنا وجدنا أنفسنا، نزحف مع الباقي باتِّجاه التَّيَّار، بعد أن أَقفلوا في وجوهنا باب العودة إلى بيوتنا، مع أنَّ مفاتيح الدَّار في جيوبنا، “جُمعة زمان ومنرجع يَمَّا”، لتكون وجهتنا فقط إلى ترك البلد والنُّزوح، إلى العبَّارات في الميناء، ومنها إلى عكَّا، لكنَّ شقيقي وأمِّي بقيا خارج الحاجز البريطانيِّ، لقد سهَّل الإنجليز علينا ترك المدينة في اتِّجاه واحدٍ، ومنعوا منَّا الرُّجوع إلى بيوتنا، كيف السَّبيل إليهما، لكنَّهما وصلا بعد أن فتَّشا عنَّا في جميع أحياء حيفا المهجورة، المهدومة “المفرومة والمطحونة” التقينا ومن بعدها نزحنا إلى جبال الجليل، وكانت بوصلتنا لبنان شمالاً، لكنَّ حظَّنا، أنَّنا نزلنا قرية بيت جن، على قمة جبل الجرمق، الجليل الأعلى، حيث حضن أهل القرية العائلات النَّازحة قائلين لهم “لن ترحلوا من قريتنا، والدَّم ما بيصير مي واللي بصير عليكو بصير علينا”، وما زالت عائلتي تَكنُّ الوفاء والعهد للعائلات الأَربع، كذلك لأهل قرية بيت جن، كما يذكرهم والدي، عائلة صلالحة (الشَّيخ حسين صلالحة، أَبو مالك)، وعائلة أَبو عبسي (الشَّيخ عبد الله أَبو عبسي أبو شفيق)، وعائلة أَبو كنج علي اليوسف أَسعد (المختار) وعائلة الشَّيخ محمود كنج قبلان. لقد جاء في الحديث الشَّريف “من عامل النَّاس فلم يظلمْهم، وحدَّثهم فلم يكذِّبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو من كملَت مروءتُه وظهرَت عدالتُه ووجبَت أخوَّتُه”، فهؤلاء العرب المعرفيُّون الأوفياء إخواني، الذين لم تلدهم أمِّي، وما أكثر المعروفيِّين الذين ساعدوا أبناء شعبهم في البقاء في وطنهم، إذ حضنوا وأحسنوا وفادة جميع من التجأ إليهم” (كتابي “حيفا في ذاكرة برهوم كي لا تُنسى” ص 147)..

لذلك وجبَ عليَّ أَن أَتآخى معكم، فأَنتم أُخوتي يا أَهل بيت جن، أُولئك إِخواني وهذا يُشرِّفني..

عام أَلفٍ وتسعمائة وثمانية وأّريعين لم يكن عام الهجيج، بل كان عام نكبةِ وكارثة شعبي، ففي حيفا على سبيل المثال وفي ذلك العام بقي حوالي أَلفين أَو أَلفين وسبعمائة مواطن عربيٍّ، من مجموع ثمانين أَلفٍ، ممكن أَقل أَو أَكثر، ممَّا يدلُّ على فداحة الجريمة وجسامتها في حيفا، ولم يترك أَهل حيفا بلدهم من “خاطرهم” بل خوفًا على حياتهم وحياة أَولادهم، تركوها من الرُّعب والخوف والإِرهاب الذي نشروه بين النَّاس وممَّا شاهدوه من إِجرام بحقِّ أَهل المدينة..

الفعل هجَّ الرَّجل يعني فَرَّ هَارِباً مِنْ ظُلْمٍ إِلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ، وكلمة هجيج تعني الضجيج والاضطراب وانتشار الخوف بين النَّاس، هجَّج الشَّخْصَ تعني أجبره على الفِرار من مكانه ظُلمًا وقهرًا..

إِنَّها كانت نكبة شعبي وكارثة فلسطين..

كلمة وفاء..

لقد قام الأُستاذان العزيزان مالك حسين صلالحة وعادل إِسماعيل خطَّار حمُّود، مشكورين، بعمل بطوليٍّ وشاقٍّ، وعملوا بثبات قويٍّ وإِصرار وعزمٍ ومثابرة جبَّارة، على مدار السَّاعة والأَيَّام، بتقديم مائة وإِثنين وسبعين مقابلة، من رأس النَّاقورة شمالاً إِلى الجليل والسَّاحل الشَّاميِّ والمثلَّث، قاما بزيارة بيتيِّة لكلِّ عائلةٍ ولكلِّ عائلة كانت لها حكايتها مع النُّزوح واللجوء والعودة والمعاناة والخوف والرُّعب والعوز والجوع والعطش، تلخَّصت في مقابلة وأَحيانًا زيارتان في يومٍ واحدٍ، لقد دخلا مائة وإِثنين وسبعين بيتًا لإِظهار الحقِّ وتبيان فضل النَّشامى الأَشاوس على قمم الجَرمق الأَشمِّ من بني معروف على أَبناء شعبهم في معركة البقاء والصُّمود في الوطن..

ختامًا، أَقتبسُ ما قاله سلطان الثَّورة السُّوريَّة الكُبرى ضدَّ الإِستعمار الفرنسيِّ، صاحب الشِّعار “الدِّين لله والوطن للجميع”:

“ربَّما اختاركم الله للبقاء في فلسطين لحكمةٍ من عنده تعالى، وممنوع ترك أَرضكم ووطنكم، حتَّى لو اضطررتم رفع الرَّاية البيضاء، لأَنَّ الأَرض، والعرضَ والوطن ممنوع التَّفريط به.” (ص 634)..

شكرًا بيت جن عروس الجرمق الأَشم..

والشُّكر الجزيل والثَّناء الصَّادق موصول لأًهل بيت جن بيت الشَّهامة، لشيوخ وشيخات بيت جن، لشيبها وشبابها وشابَّاتها، لنسائها ورجالها وأَطفالها لبيوتها ولكلِّ حجر فيها ولكلِّ ذرَّة تراب فيها..

بيت جن هي ممرٌّ واسعٌ أَمينٌ وآمنٌ إِلى مقرِّ الكرامة والبقاء والعودة..

تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.

شاهد أيضاً

نضال الحايك: صفحات من حيفا

نضال الحايك كتاب: صفحات من حيفا للكاتب الدكتور خالد تركي إصدار مكتبة كلّ شيء – …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *