د. يوسف شحاده: تأملات في المنفى وأحلام العودة

د. يوسف شحاده:
تأملات في المنفى وأحلام العودة
18/06/2026- عن كتاب: حدودُ المنفى…قطارٌ ومحطات/سيرة ذاتية
**حدودُ المنفى…قطار ومحطّات، للدكتور يوسف عراقي هو أكثرُ من مجرّدِ سيرةٍ ذاتيةٍ بالمعنى التقليديِّ للكلمةِ. هي شهادةٌ إنسانيةٌ وفكريةٌ عن تجربةِ المنفى، من خلالِها لا يكتفي بسرْدِ تفاصيلِ حياتِه الشخصيةِ، بل يَعْبُرُ منْها إلى فضاءِ الذاكرةِ الجماعيّةِ لشعبِه، يجعلُها رفيقةَ سفرِهِ ويطوفُ فيها بين محطّاتِها، يُحيي أمكنةً وأحداثًا صَنَعت ملامحَ الوجودِ الفلسطينيّ، مستعينًا بلغةٍ تجمعُ بين التوثيقِ والابداعِ. فهي تَتَعدّى كونَها حكايةَ طبيبٍ فلسطينيّ شقّ دربَه لبلوغِ العُلا والنجاحِ رغمَ المشقاتِ، لتُشَكِّلَ حكايةَ جيلٍ كاملٍ من الفلسطينيينَ الذين اكتووا بحياةِ اللجوءِ والمنفى وحُلْمِ العودةِ، وتصويرُه للمحطّات التي تَنَقّل فيها جعل من التنقلِ والحركةِ أسلوبًا للوجودِ وللمقاومة.
** حدودُ المنفى، هي تجربةٌ تأمليةٌ فلسفيةٌ، زاخرةٌ بالأحداثِ في معنى المنفى والاغتراب والبحثِ المستمرِّ عن الوطن. وفيها يعْرَضُ المنفى كحالة شعوريةٍ وواقعيّةٍ في آن واحدٍ. فعراقيّ يكتبُ عن المنفى بإسهابٍ واصفًا داخلَه وتفاصيَله اليوميةَ، والمكانُ الذي يحلُّ به يتحوّلُ إلى عدسةٍ يرى من خلالِها الوطنَ والعالم. المَسَافَةُ الَّتِي تَفْصِلُ الكَاتِبَ “يُوسُف عِرَاقِيّ” عَنْ وَطَنِهِ لَيْسَتْ جُغْرَافِيَّةً فَحَسْب، بَلْ هِيَ فَضَاءٌ نَفْسِيٌّ يَعِجُّ بِمَشَاعِرِ الحَنِينِ، وَرَغْمَ نَجَاحِهِ فِي بِنَاءِ حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ فِي المَهْجَرِ، يَظَلُّ الوَطَنُ الأَوَّلُ حَاضِرًا فِي الوِجْدَانِ كَنُقْطَةِ ارْتِكَازٍ لَا بَدِيلَ لَهَا.
وَلَا يَقْتَرِنُ المَنْفَى فِي سِيرَتِهِ بِنَدْبِ الحَظِّ، بَلْ بِحُلْمِ العَوْدَةِ الَّذِي يُمَثِّلُ “أُوكْسِجِينَ” البَقَاءِ. وَفِي أَعْمَاقِ هَذَا الحُلْمِ، تَتَدَاخَلُ تَجْرِبَتُهُ الفَرْدِيَّةُ بِشَكْلٍ عُضْوِيٍّ مَعَ الوَعْيِ الجَمْعِيِّ لِلشَّعْبِ الفِلَسْطِينِيِّ، لِيَحْمِلَ هُمُومَ وَطَنِهِ فِي حِلِّهِ وَتَرْحَالِهِ.
** عاش لاجئًا في ألمخيّمِ، وفيه تشَكّلَت ذاكرتُه الأولى ووعيُه المبكّرُ لقضيةِ شعبِه، يَعكِسُ نبضَ المخيّم ويروي حكاياتِ اللاجئينَ، يشقُّ دربه خارجَ المخيّم، لكنَّ المخيّمَ لا يغادرُه، يَحْمِلُهُ في الذاكرةِ ويعْبُرُ به بلادَ الغربةِ، راصدًا ما يدورُ في البلدانِ التي أقامَ بها، مُلتقطًا ومُصوّرًا لأحوالِ الناسِ وقضاياهم بعينِ اللاجئِ والمثقّفِ معًا. يكشفُ لنا عن تاريخٍ فلسطينيّ مُثقلٍ بالاقتلاعِ والانتقالِ والتشتتِ، فنتلمّسُ تداخلَ وتشابُكَ تجربتِهِ الشخصيةِ في التجربةِ الجماعيّةِ، جاعلًا من “الخاصِّ” نافذةً على “العامِّ”. لذلك فإنّ حياةَ يوسفَ عراقيّ التي يعيشُها في المخيّمات وفي الشتاتِ تعكسُ إلى حدٍّ كبيرٍ ما عاشَه كثيرٌ من الفلسطينيينَ خارجَ الوطنِ الأمِ والمحطاتِ القسريةَ التي أُرْغِموا على المرور بها.
** إِنَّ حُدُودَ المَنْفَى تُمَثِّلُ تِلْكَ المَسَافَةَ الَّتِي أَعَادَتْ تَشْكِيلَ هُوِيَّتِهِ، وَدَفَعَتْهُ فِي رِحْلَةِ بَحْثٍ مُسْتَمِرَّةٍ عَنْ نُقْطَةٍ يَنْتَهِي فِيهَا الِاغْتِرَابُ. وَيُعَبِّرُ كِتَابُهُ “قِطَارٌ وَمَحَطَّاتٌ” عَنْ حَيَاتِهِ المَلِيئَةِ بِالتَّنَقُّلَاتِ الجَسَدِيَّةِ وَالتَّحَوُّلَاتِ الفِكْرِيَّةِ، حَيْثُ يَحْمِلُ فِلَسْطِينَ عَلَى كَتِفَيْهِ لِتَكُونَ مِحْوَرَ تَوَازُنِهِ الرُّوحَانِيِّ.
وَمِنْ خِلَالِ هَذَا الكِتَابِ، يُوَجِّهُ الكَاتِبُ دَعْوَةً خَفِيَّةً لِقَارِئِهِ لِمُرَافَقَتِهِ فِي رِحْلَةِ العُمُرِ عَبْرَ الأَمْكِنَةِ وَالأَزْمِنَةِ؛ بَدْءًا مِنْ سَنَوَاتِ المُخَيَّمِ وَبَيْرُوتَ، مُرُورًا بِسِحْرِ مُدُنِ المَنْفَى، وَوُصُولًا إِلَى عَوْدَتِهِ المُؤَقَّتَةِ لِمَدِينَةِ حَيْفَا، حيث أَصْبَحَتْ حَيْفَا الْقَدِيمَةُ أَكْثَرَ جَمَالًا مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ عِنْدَ فِرَاقِهَا، لِتَتَجَلَّى أَمَامَنَا فِي النِّهَايَةِ تَجْرِبَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ غَنِيَّةٌ، يَنْتَصِرُ فِيهَا الأَمَلُ عَلَى مَرَارَةِ الأَلَمِ.
** يَرْتَبِطُ اسْمُ الدُّكْتُورِ “يُوسُفَ عِرَاقِيّ” فِي أَذْهَانِنَا بِمُخَيَّمِ تَلِّ الزَّعْتَرِ؛ تِلْكَ المَحَطَّةُ الخَالِدَةُ الَّتِي يَحْمِلُهَا عَلَى كَتِفَيْهِ فِي جَمِيعِ مُدُنِ المَنْفَى. فَهَذَا المُخَيَّمُ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَكَانٍ عَابِرٍ فِي حَيَاتِهِ، بَلْ هُوَ الخَيْطُ المَتِينُ الَّذِي يَرْبِطُ سِيرَتَهُ الفَرْدِيَّةَ بِحِكَايَةِ شَعْبِهِ.
إِنَّ تَجْرِبَتَهُ المَرِيرَةَ فِي تَلِّ الزَّعْتَرِ شَكَّلَتْ نُقْطَةً مِفْصَلِيَّةً، وَوِلَادَةً جَدِيدَةً لَهُ بَعْدَ أَنْ لَامَسَ المَوْتَ. لِتُصْبِحَ قِصَّتُهُ المَلِيئَةُ بِالكِفَاحِ وَتَذْلِيلِ الصِّعَابِ، أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ مَنْفًى شَخْصِيٍّ، بَلْ هِيَ مِرْآةٌ صَادِقَةٌ تُجَسِّدُ التَّجْرِبَةَ الجَمَاعِيَّةَ لِلشَّعْبِ الفِلَسْطِينِيِّ وَصُمُودَهُ. فلسانُ حالِه يقولُ، كما قالَ محمودُ درويش في قصيدتِه “أنا يوسفُ يا أبي”:
أنا يوسُفُ يَا أبي. يا أبي، إخوتي لا يحبُّونني،
لا يريدُونَني بينَهم يا أبي.
يعتدُونَ عليًّ ويرمُونني بالحَصى والكَلامِ
يريدُونني أن أمُوتَ لكَي يمدَحوني.
أنت سميتَني يوسفاً وهُمُو
أوقَعوني في ٱلجُبِّ، واتَّهموا الذئبَ
والذئبُ أرحمُ من إخوتي..أبت…
مِنْ نِدَاءِ “أَنَا يُوسُفُ يَا أَبِي” إِلَى “حُدُودِ المَنْفَى”، يُجَسِّدُ الكَاتِبُ صَوْتَ الفِلَسْطِينِيِّ الَّذِي اسْتَقَلَّ قِطَارَ الغُرْبَةِ، لِتَتَحَوَّلَ مَحَطَّاتُهُ إِلَى فُصُولٍ غَنِيَّةٍ بِالتَّجَارِبِ. هُنَا، لَا يَعْنِي المَنْفَى الهَزِيمَةَ، بَلْ هُوَ شَكْلٌ جَدِيدٌ لِلتَّمَسُّكِ بِالحَيَاةِ، بَيْنَمَا يَبْقَى الوَطَنُ المَحَطَّةَ الأَبَدِيَّةَ فِي القَلْبِ.
** وَيَبْرُزُ الكَاتِبُ -كَمَا تَعْكِسُ “يَوْمِيَّاتُ طَبِيبٍ فِي تَلِّ الزَّعْتَرِ”- إِنْسَانًا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ طَبِيبًا؛ حَيْثُ حَمَلَ هُمُومَ اللَّاجِئِينَ، وَخَاطَرَ بِنَفْسِهِ لِعِلَاجِهِمْ بِتَوَاضُعٍ وَدُونَ سَعْيٍ نَحْوَ شُهْرَةٍ مِهْنِيَّةٍ. لَقَدْ تَعَامَلَ مَعَ الطِّبِّ كَرِسَالَةٍ نِضَالِيَّةٍ وَإِنْسَانِيَّةٍ جَعَلَتْهُ حَاضِرًا بَيْنَ النَّاسِ فِي المُخَيَّمَاتِ وَعِيَادَاتِ المَنْفَى عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.
وَبِدَلًا مِنْ أَنْ يَسْتَأْثِرَ الكَاتِبُ بِالحِكَايَةِ، يَدْعُونَا لِنُشَارِكَهُ رِحْلَةَ القِطَارِ. فَمِنْ خِلَالِ تَفَاصِيلِهِ الشَّفَّافَةِ، نَعِيشُ مَعَهُ الأَحْدَاثَ مُتَنَقِّلِينَ مِنْ “عَرَبِ الرَّمْلِ” وَبَيْرُوتَ إِلَى أُورُوبَّا، وُصُولًا إِلَى حَيْفَا فِي دَائِرَةٍ لَمْ تَكْتَمِلْ بَعْدُ. لِيَسْتَقِرَّ بِهِ المَطَافُ عَائِشًا بَيْنَ عَالَمَيْنِ؛ عَالَمٍ جَدِيدٍ يَصْقُلُ رُؤْيَتَهُ، وَوَطَنٍ يَسْكُنُ صَمِيمَ هُوِيَّتِهِ وَلَيْسَ مُجَرَّدَ مَكَانٍ عَابِرٍ.
** يَخُوضُ الْكَاتِبُ عراقي رِحْلَةً قَاسِيَةً، مُتَحَدِّيًا خَيْبَاتِ الْأَمَلِ، لِيَقِفَ شَاهِدًا وَنَاقِدًا بَنَّاءً لِمَسِيرَةِ الْحَرَكَةِ الْوَطَنِيَّةِ الْفِلَسْطِينِيَّةِ فِي الْمَنْفَى بِكُلِّ شَفَافِيَةٍ. فهو يواجهُ الوقائعَ بعينٍ ناقدةٍ بناءةٍ، دون مُواربةٍ، لا يكتفي بسردِ الوقائعِ والأحداثِ، بل يُراجعُها برويّةٍ ويعيدُ قراءتَها، مسلّطًا الضوءَ على مواطنِ القوةِ والقصورِ في تجربةِ الحركةِ الوطنيةِ الفلسطينيةِ كما عاشَها وعاينَها هو بنفسِهِ، فقد كانَ الشاهدُ والمشاركُ والناقدُ في آنٍ واحدٍ.
** لَقَدْ حَمَلَ مَعَهُ أَدَقَّ تَفَاصِيلِ الْوَطَنِ لِحِمَايَةِ هُوِيَّتِهِ مِنَ التَّلَاشِي؛ لِيَجِدَ نَفْسَهُ مُعَلَّقًا بَيْنَ وَطَنٍ سُلِبَ مِنْهُ، وَمَهْجَرٍ لَا يَمْنَحُهُ الِانْتِمَاءَ الْكَامِلَ. وَرَغْمَ نَجَاحِهِ كَطَبِيبٍ وَتَأْسِيسِهِ لِحَيَاةٍ مُسْتَقِرَّةٍ، ظَلَّ شُعُورُ “الْمُؤَقَّتِ” يُلَازِمُهُ دَائِمًا، فِي حِينِ بَقِيَتْ مَدِينَةُ حَيْفَا وِجْهَتَهُ الرُّوحِيَّةَ الَّتِي كُلَّمَا عَادَ إِلَيْهَا وُلِدَتْ بِدَايَةٌ جَدِيدَةٌ لِلْحَنِينِ.
** إِنَّ كِتَابَهُ “حُدُودُ الْمَنْفَى” يَتَجَاوَزُ كَوْنَهُ سِيرَةً ذَاتِيَّةً لِيُصْبِحَ شَهَادَةَ عَصْرٍ تُوَثِّقُ مَأْسَاةَ جِيلٍ كَامِلٍ، ويستعرضُ أحداثًا وأمكنةً صنعت جزءًا من الذاكرةِ الوطنيّةِ الفلسطينيةِ. فَالْكِتَابُ يَتَجَاوَزُ كَوْنَهُ سَرْدًا لِلْمَاضِي وَتَوْثِيقًا لِمَسِيرَةِ طَبِيبٍ فِلَسْطِينِيٍّ، لِيَغْدُوَ وَثِيقَةً تَارِيخِيَّةً تُجَسِّدُ حِكَايَةَ شَعْبٍ عَبْرَ مَحَطَّاتِهِ النِّضَالِيَّةِ الْمُتَعَاقِبَةِ، وَشَهَادَةً صَادِقَةً فِي مُوَاجَهَةِ التَّحَدِّيَاتِ وَتَذْلِيلِ الصِّعَابِ.
** وَرَغْمَ قَسْوَةِ الِاغْتِرَابِ، لَمْ تُلْغِ الْغُرْبَةُ وَطَنَهُ، بَلْ زَادَتْهُ حُضُورًا فِي الْوَعْيِ واللغةِ والذاكرةِ؛ لِيَخْتَتِمَ رِحْلَتَهُ بِتَفَاؤُلٍ لَا يَنْقَطِعُ، مُؤَكِّدًا أَنَّ شَعْبَهُ كَمَا يَقُولُ: “عُودٌ يَنْثَنِي وَلَا يَنْكَسِرُ”.
ويستشهدُ بالشاعر كريم العراقي:
لا اليأسُ ثوبي ولا الأحزانُ تكسِرني// جُرحي عنيدٌ بلسعِ النارِ يلتئمُ
تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.