د. يوسف عراقي: قراءة في مذاكرات محامي الأرض والشعب حنا نقارة

د. يوسف عراقي

أثناء زيارتي للوطن قبل 10 سنوات ، أهدتني الأخت نائلة نقارة أبو منّة نسخة من مذكرات والدها طيب الذكر المرحوم المحامي حنا ديب نقّارة (أبو طوني) والذي أطلق عليه شعبنا لقب “محامي الأرض والشعب” المذكرات من تحرير عطالله سعيد قبطي والصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية بيروت الطبعة الثانية عام 2011 ، (الطبعة الأولى صدرت عن دار الأسوار عكا. نيسان 1985) تصميم الغلاف سارة أبو الحسن. يضم الكتاب 386 صفحة من الحجم الكبير يحتوي على مدخل، مقدمة وثلاثة أبواب: الباب الأول المذكرات، الباب الثاني؛ خطابات ومواقف والباب الثالث: في تكريم محامي الأرض بالإضافة إلى الفهرست.

تقول نائلة نقارة أبو منّة في مدخل الكتاب انها وجدت من الواجب الوطني تعريف أبناء الجيل الجديد على تاريخ والدها وعلى معاصريه من الشخصيات الوطنية ليتعلم معنى التضحية والعطاء وبهدف تمكيّن وتقوّية انتماؤهم إلى الوطن والى هويتهم الفلسطينية وقوميتهم العربية.

اما المرحوم المحامي وليد الفاهوم (أبو خالد) الذي غادر عالمنا الفاني في العام الماضي، فيكتب في مقدمة الكتاب: “كتب حنا نقارةهذه المذكرات في أوائل ثمنانينات القرن الماضي بلغة الحنين إلى الماضي الخالية من لهجة “الاستاذية”، مبتدئاً بفترة الانتداب البريطاني ومنتهياً بقيام “دولة إسرائيل”، فمزج بين رجل القانون (المحامي) والسياسي التعبوي مدافعاً عمن “لا نصيرلهم ” ومؤرخاً لمن “لا تاريخ لهم “. وينهي مقدمته ب:” إننا بعد قراءة هذه المذكرات لن نكون كما كنا من قبل… سنكون أشدّ تفاؤلاً وأكثر صلابةً”…

كانت قراءتي للمذكرات اشبه برحلة في أعماق نفس المحامي طيب الذكر حنا نقارة، لم تكن كلماته حبراً على ورق، بقدر ما كانت تجسّد نفس أبيّة، وشخصية فذة متعددة الطبقات تمرّدت على الواقع رافضة للظلم، سيرة مليئة بالتحديات التي رافقته منذ نعومة أظفاره. تميّز بمواقفه الإنسانية بعيداً عن الدين والطائفة وانحاز كلياً للمظلومين والمعدمين من العمال والفلاحين، مدافعاًعن حقوقهم قائلا:” قمت بذلك ليس لأنني محامي، بل لأنني محامي شيوعي”. تحلّى بروح الدعابة وتكلم بلغة القانون حيث يحتاج الأمر. ترك لنا إرثاً ثميناً في كل كلمة خطها، فقد كانت مرآة لحقبة من اهم الحقبات في تاريخ شعبنا و بلادنا متحدثاً عن الوضع الاجتماعي والخارطة السياسية لفلسطين وبلاد الشام وعن دور المستعمر البريطاني الذي كانت له المساهمة الكبرى في دعم الاستيطان الصهيوني في فلسطين منذ تصريح بلفور إلى اللجان التي الفتها بريطانيا مثل الكتاب الأبيض ولجنة “بيل” والمكائد التي رسمتها بالتعاون مع بعض القوى الرجعية العربية في تشريد الشعب العربي الفلسطيني وعن الدور الذي لعبه مع رفاقه وزملائه في الحفاظ على الهوية والأرض، ودوره في إضراب عام 1936 من خلال المذكرة التي كتبها إلى سماحة المفتي الحاج أمين الحسيني مع مدرّبه وزميله المحامي وديع البستاني والتي أصبحت وثيقة مهمة أُعتمدت من قبل اللجنة العربية العليا اثناء احداث الثورة الفلسطينية عام 1936 .

عشق الأدب والشعر وشرب من ينابيعه على يدي معلمه الأول خليل بيدس في القدس ولاحقاً الأديب مارون عبود وعمر أبو ريشة واخيراً صديقه ورفيقه الشاعر “أبو سلمى الكرمي” وإسعاف النشاشيبي والأديب اللبناني رئيف خوري.

في الباب الأول من المذكرات يتناول اولاً خلفية العائلة، ويتحدث عن جده الاول نقولا نقارة الذي جاء إلى عكا وحيداًمن دمشق، في أواخر القرن التاسع عشر وتزوج من عائلة الخوري من قرية البقيعة. واستقر في عكا حيث عمل دقاق حجارة وفي صنع الأجران. واصفاً ازدهار عكا الاقتصادي في عهد ظاهر العمر. متحدثا بالتفصيل عن نمو العائلة وتحسن الأوضاع المادية، حيث اشترى جده حنا عدة كروم في قرية الرامة وأصبح تاجراً معروفاً، لكن كارثة حدثت، قضت على كل ما ما بناه حيث كان عمه ناصيف يتولى عملية بيع البارود في دكانّهم، عندما انفجر البارود وراح ضحيته عمه ناصيف مع ثلاثة شبان من كفرياسيف، هكذا وجد جده نفسه وقد خسر كل شيىء.

يروي لنا عن جدته القابلة والتي كانت تقوم بتطبيب النساء على الرغم من فقدان بصرها. تحدث بصراحته المعهوده عن طفولته الصعبة التي لم يتذكر منها الكثير. عن انتقال العائلة إلى حيفا وتحسن الوضع الاقتصادي للعائلة، وبعض القصص عن شقاوته وانتقاله إلى مدرسة “سان جورج” في القدس القسم الداخلي وتتلمذ على يديّ المربي المعروف “خليل بيّدس” في تعلم اللغة العربية التي كان محذورا على الطلاب التكلم بها، وراى في تلك المدرسة عبارة عن مستعمرة بريطانية ضمن المستعمرة الكبرى فلسطين. تعرّض للضرب المبرح امام الطلبة من أحد المعلمين انتقاماً لحادث اثناء إحدى مباريات كرة القدم، والتي شارك فيها ذلك المعلّم، حيث أصرّ على ترك المدرسة وعدم العودة اليها، وهنا ظهرت مزاياه المبكرة والتي ظهر فيها ذلك اليافع بحجم رجل ناضج يحافظ على كرامته ويرفض الظلم. التحق بالجامعة الوطنية في عاليه في لبنان حيث ابن عمته هناك تعرف. وتتلمذ على يديّي الأديب الكبير والوطني مارون عبود الذي سمّى ابنه البكر محمد والذي رأى فيها مناهضة فعلية منه للتعصب الديني والتفرقة الطائفية. وناداه يومها باسمه “يحي” قائلا: “يا يحيّي خُذّ الكتاب بقوّة…” وهكذا عرف اسمه لأول مرة بالعربية. كما جاء في القرآن الكريم. في أجواء هذه الجامعة توصّل إلى قناعة بان مصير الشعرالعربي واحد وان قضاياه واحدة.

ونظراً لتفوقه في الرياضيات نصحه أستاذه الأرمني بدراسة الهندسة في الجامعة الأمريكية في بيروت، حيث واجه عقبات في التسجيل نتيجة معرفة الجامعة بمواقفه السياسية السابقة. ولكنه وفي تصميمه في الدفاع عن مواقفه جعل المسّجل يتراجع ودخل كلية الهندسة، حيث كان كثير الشغب في دروس اللغة العربية مما جعل أستاذه يقول له:”يا نقارة نقرت راسي”. بنى صداقات واسعة، منها مع الأديب رئيف خوري والشاعر عمر أبو ريشة والشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان. ومع بداية الدروس التطبيقية في كلية الهندسة أدرك انه أخطأ الاختيار لفشله في رسم الخرائط، وتوصل لقناعة انه لن يصبح مهندساً، وعاد كئيباً وكانت هذه اول مرّة يمنى فيها بالفشل. حينها قال له والده:”إذهب وفتش عن وظيفة، كفاني ما انفقت في سبيلك”. لكن كل ذلك لم يثنه من عن عزمه فتغلّب على الصدمة وأصرّ على دراسة الحقوق في جامعة دمشق، حيث تجاوز الصعوبات التي واجهته للقبول في كلية الحقوق، نتيجة تغيير حدث في شروط القبول. عايش الحركة الوطنية السورية في كفاحها ضد السلطات الفرنسية، وتعلم كما كما يقول:”كيف تستطيع الجماهيرالعزلاء ان تفرض بتضحياتها ارادتها على السلطة الغاشمة”. اثناء العطل الصيفية كان يتردد على مكاتب المحامين في عكا حيث تعرف على المحامي أحمد الشقيري. وكان يتنقل بين عكا وحيفا والقدس. في تموز 1933 كتب إلى والده بانه أنهى الدراسة والصرف ونال شهادة مجاز في القانون. وعند عودته إلى الوطن كانت صدمة أخرى حيث فوجئ بان سلطات الانتداب ألغت الامتياز الذي كان ممنوحاًلمعهد الحقوق في دمشق، بقبول شهادته واعتبار الخريجين اهلًا للعمل في فلسطين. ويقضي القانون الجديد بتقديم امتحان الأجانب أسوة بالقادمين من أوروبا وأمريكا وذلك بسبب الهجرة اليهودية والأعداد الكبيرة من المحاميين والقضاة من أواسط أوروبا وكانوا يعدون يومها بالمئات.

وبعد نجاحه في الامتحان بدأ بمراجعة مكاتب المحامين للتدرّب، حيث قابل المحامي وديع البستاني الذي وصفه بأنه أديبا وشاعراً ووطنياً يقاوم الصهيونية ويحمل على البريطانيين ويهتم بقضايا الأراضي بالأساس، وان له ماض وطني ومن أبرز الشخصيات في المجتمع في حينه، وكانت له اليد الطولى في إقامة الجمعية الإسلامية – المسيحية في يافا. ووافق على قبوله لقاء دفع المصاريف وذلك لعدم استطاعته دفع الراتب.

وينقلنا الكاتب إلى تلك الفترة الملتهبة متحدثاً عن إضراب عام 1936 حيث تم الإضراب في البلد من أقصاه لى أقصاه. كانت اول مرة في تاريخ فلسطين يشترك فيها الجميع في الحركة الوطنية. كان القلق والخشية قد استحوذا على الجماهير العربية من تدفق الهجرة اليهودية المتصاعدة والتي تهدد البنية السكانية والكيان العربي في فلسطين. ومن العام إلى الخاص ينتقل بنا إلى قصه زواجة من ابنة عمته “اليس” حيث يعود بنا إلى زمن الطفولة حيث نشأت محبة وصداقة، كان يسمع جدته تقول حسب عادات زمان:”اليس لحنا” وكانت هناك فوارق على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، فوالدها كان موظفاً كبيراً، بينما والده كان موظفاً صغيرا وفقيراً كما يذكر، ومع الوقت والظروف، ابتعدت الشقة بينه اليس وطالت ليلتقيا بعد زمن طويل. بعد ان أصبح محامياً ليتزوجا وفق مراسم غريبة وهو ان يجري الإكليل في الصباح الباكر والناس نيام على يد الارشمنديت صديق والده والذي سينقل قريباً من منصبه. كل هذا بسبب انه وابنة عمته اليس أقارب من الدرجة الرابعة وقانون الكنيسة الأورثوذكسية يحرّم عقد هذا الزواج إلا بإذن خاص من سلطات الكنيسة العليا.

اما عن نشاطه الاجتماعي فكان له علاقات مع الكثيرين من شباب عكا ومثقفيها، ولكنه لم ينتسب إلى ناد او جمعية ولم يكن من رواد المقاهي ولم يرق له ايضاً النشاط الطائفي. لكنه التحق لاحقا بنادي الشباب العربي، الذي ما لبث ان انفرط عقده بسبب النشاط السياسي. ولكنه انضم لا حقا إلى النادي الاورثوذكسي العربي في حيفا والذي تحوّل بعد تسلمه دورا قياديا ً إلى مركز من مراكز الثقافة والأدب. والسياسة في أواسط الأربعينات. ساهم في تغيير الدستور وإصلاحه لاهداف وطنية لا طائفية وساهم بإدخال أعضاء من طائفة أخرى مثل الشاعر عبد الكريم الكرمي “أبو سلمى” ازدهر النشاط الادبي خلال تلك الفترةمن خلال محاضرات شارك فيها أدباء ومثقفون ومنهم الأديبة امينة السعيد ودعى إلى إشراك المرأة في النشاط الثقافي.

يحدث القارئ عن انتمائه وانحيازه لليسار، حيث ادخله فؤاد نصار ذات يوم إلى مكتبة بولس فرح قائلا له:”خذ واقرأ”. وهكذا أصبح ماركسياً كما يذكر. وعن علاقته بأميل حبيبي وإيميل توما وتوفيق طوبي وحضوره مؤتمر العمال العرب عام 1945وعن دوره كمحرر لمجلة المهماز في تنشيط الحركة الوطنية على أسس ديمقراطية وعن وقف الهجرة الصهيونية. يروي عن رجال القسام الذي عرفهم وعن حركة القومين العرب وحزب الشعب الذي رفع شعار الدولة الديمقراطية. وعن اختلاف الأحزاب العربية ودور الجامعة العربية والرجعية العربية بالتآمر على الشعب الفلسطيني. تحدث عن خطأ مقاطعة العرب للجنة الأمم المتحدة مما أتاح للصهاينة في طرح مطالبهم بأريحية تامة.

ومع انتهاء إضراب الذي استمر لمدة 6 أشهر، يرسم لنا خارطة الأحزاب السياسية وتوجهاتها خلال الإضراب وبعده، ويتحدث عن لجنة “بيل” وهي لجنة التحقيق الملكية التي حققت في أسباب الاضطرابات وعن تدخل الزعماء والملوك العرب وعن الزعامات الفلسطينية في حينه، وعن تجدد الثورة عام 1937-1939 ورفض التقسيم وعن قمع قوات الانتداب البريطانية وتنكيلها بالشعب. عن عمليات الثواروحصيلة العمليات واحصائيات عن القتلى والجرحى من الجانبين وعن الكتاب الأبيض وعن القانون الذي سنته حكومة الانتداب لنظام بيع الاراضي على أساس قرار التقسيم وقسمت البلد إلى ثلاث مناطق: واحدة مباح فيها البيع والثانية يتطلب البيع فيها إذناً، والثالثة يمنع فيها البيع.

وصف اليوم التالي لقرار التقسيم في حيفا وسيطرة الصهاينة من موقع الهدار على احياء المدينة التحتا وموجة النزوح، وكيف غادر العمال العرب إلى قراهم ومدنهم وكيف غادر الأغنياء إلى لبنان وسوريا والأردن. عن سقوط حيفا في 22 نيسان 1948 حيث لم يبق في المدينة سوى 1500 من أصل 40الف عربي، يروي تفاصيل المؤامرة التي حاكها الإنجليز واليهود ضد العرب، حيث فتحوا أبواب الميناء، وطلبوا من العرب التوجه إلى هناك وجهزت لهم وسائل للنقل بحراً. وعن سماعه بقدوم الجيوش العربية وجيش الإنقاذ وان ذلك ادى إلى احتلالات جديدة حققتها العصابات الصهيونية، وتشريد آلاف من اللاجئين العرب.

بعد تردد قرر مع العائلة النزوح إلى لبنان. واستقر في بلدة “بدادون” في لبنان شكل مع رفيقه أبي سلمى والمحامي احمد الخليل لجنة لزيارة. مخيمات وتجمعات اللاجئين للاطلاع على أحوالهم ووسائل دعمهم. اجتمعوا مع رياض الصلح رئيس وزراء لبنان على ان تسمح الحكومة بعود ة اللاجئين عبر الحدود فأجابهم انه لا يمكن ان يفعل ذلك. وان ذلك: “يحتاج إلى امر من فوق”. التقى في لبنان بأميل حبيبي الذي أخبره باعتقال إميل توما وأخبره بانه ينوي العودة عن طريق الجليلً.

قرر حنا نقارة بدوره العودة بالرغم من محاولةاحمد الشقيري من ثنيه عن العودة، كان ذلك بعد ان آمنّ عملا لاخيه عن طريق إميل البستاني لإعالة العائلة التي بقيت في لبنان. كانت عودته مع مجموعة من ستة أشخاص اخرين بالطائرة عن طريق قبرص ومن هناك إلى مطار شركة بترول العراق في حيفا. كانت رغبته في العودة كمال قال: “هي فوق كل اعتبار”. كان من بيت الستة الذي سافروا معة. كاتب عدل في المحكمة المركزية ومدير خزنة البلدية وموظف سابق في الجمارك. لدى وصولهم تم اعتقالهم واقتيادهم الى مركز الشرطة في حيفاً شعروا برهبةالموقف ولكنهم كانوا يعلقون الامال على أنهم أسماء معروفة، جرى التحقيق معهم على انفراد، خاب أمله بان لاأحد من الذين قابلهم ممن يعرفونه او يعرفهم.

كان اثناء التحقيق معه يتكلم بلغة القانون محافظاً على رباطة جأشه وابائه وكرامته ومعتزاًبانتمائه الي اليسار، ومتألماً في نفس الوقت لكون سارق الارض والمحتل هو من يقوم بمحاكاته. تعرضت المجموعة للكثير من الخداع والمراوغة من قبل مدير الشرطة والمحققين وكان أكثر ما يقلقه هو أن يتم ترحيله إلى قبرص او لبنان.بالاضافة إلى ظروف الاعتقال اللانسانية من حيث المكان والمأكل. وكان عرضة للأفكار السوداوية التي كانت تلاحقه كلمااختلى بنفسه.

بعد خمسة أيام من الاعتقال، جرى التواصل مع الرفاق والأصحاب الذين زودوهم بالطعام. تم نقلهم بعد ذلك إلى سجن عكا لتتكرر المتاعب والمراوغة من مدير السجن والوعود الضبابية. زارهم مجموعة من الأصدقاء بينهم كاهن الطائفة الأورثوذكسية ليخبره ان بيته تعرض للنهب ودكانه لم يبق منها شيئ. جولات من التحقيقات وعدم اليقين، إلى ان جاءاحدهم ذات يوم وأخبرهم ان الصعوبة في مشكلتهم تكمن بأنهم معروفون ولهم مكانتهم في المجتمع. توالت الأيام مثقلةً بعدم اليقين والضجر والتهديد باعادتهم من حيث قدموا، والسبب الجديد في ذلك ان عودتهم كانت بالطائرة وبشكل علني ومفضوح ً. ذات يوم حملتهم سيارة الشرطة مرة أخرى إلى حيفا لم يتنفس الصعداء إلا بعد عبور السيارة المفرق الذي يؤدي إلى المطار. وهناك في مركز الشرطة في حيفا، قرا عليهم الضابط الأمر من الحاكم العسكري باعتقالهم لمدة ثلاثة أشهر ولم يسمح لهم بتعيين محامي. وان فكرة الإبعاد مازالت قائمة. في أحد الأيام حاول الهرب من المعتقل، ولكن الخطة باءت بالفشل. بدأت الاتصالات مع الأصدقاء ونائب مديرالشرطة ووزير الأقليات وكان آخر موقف رسمي أنهم دخلوا البلاد بدون إذن رسمي. بالرغم من أنهم عادواقبل صدور القرار. بعد أيام أخبرهم مدير الشرطة بقرب الإفراج عنهم.

إلى هنا أنهى أبو طوني مذكراته (المحرر) الذي وافته المنية في اول كانون ثاني 1984 ًقامت ابنته نائلة بكتابة بعض المحطات بعد وفاته لتخبر القارئ ان والدها غادر السجن يوم 10 تشرين الثاني1948. بعد حملة شعبية شاركت فيها الجماهير والقوى الديمقراطية والحزب الشيوعي “أميل توما ص294”

اما عائلته فعادت متسللة من بلدة رميش الحدودية في لبنان إلى قرية حرفيش في الجليل، بعد ان امن لهم خارطة طريق لعودتهم بعد ان سجل أسماء العائلة غيابياً اثناء إحصاء الحكومة.

وتروي نائلة كيف تحول بيتهم إلى ملجأ للفارين من الحكم العسكري وكان يساعدهم بدون مقابل واحياناً يدفع الرسوم من حسابه الخاص

وقد جسر الهوة بعد وفاته ابنته نائلة وما جاء في الباب الثاني من خطابات ومواقف كما ساهم بعض رفاق دربه في إكمال سيرته الغنية بالمواقف الوطنية مثل إميل توما ووليد ألفاهوم، سلمان الناطور، مصطفى كبها، مصطفى العباسي وحنا أبو حنا.

كان المحامي حنا نقارة قد خاض معركة البطاقات الحمراء التي بخلاف بالبطاقات الزرقاء (الهوية) كانت عبارة عن تصريح إقامة مؤقته امام المحكمة العليا وخرج بنصر كبير واستطاع بذلك إنقاذ آلاف من أبناء الجليل من فقدان هويتهم إذا انهم كانوا رهناً لمشيئة الحاكم العسكري وحرمانهم من جميع الحقوق في المواطنة والملكية وغيرها، مقابل أتعابه معتبرا ان القضية ليست مسالة قضائية، بل سياسية قائلا: ” يجب ان يعرفوا ليس لأنني محام، بل لأنني محامي شيوعي”. كما انه تصدر الكفاح من اجل المحافظة على ملكية الفلاحين لإراضيهم إزاء حملة السلطات المسعورة لمصادرة الأراضي العربية وفق الممارسات الصهيونية وأطلقت عليه الجماهير محامي الأرض. “أميل توما. ص 298 “.

وهكذا كان له دور كبير في يوم الأرض حيث كان سكرتير لجنة يوم الأرض.

قامت بلدية حيفا بتسمية درب في حي النسناس باسمه وأطلقت بلدية رام الله أسم حنا نقارة محامي الأرض والشعب على أحد شوارع حي المصيون في المدينة.

يوسف عراقي – النرويج

تشرين اول 2026 .23

تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.

شاهد أيضاً

صباح بشير : قراءة في رواية “قيامة البتول الأخيرة- الأناشيد السّرّيّة” للرّوائيّ زياد كمال حمامي

صباح بشير رواية “قيامة البتول الأخيرة- الأناشيد السّرّيّة” للرّوائيّ السّوريّ زياد كمال حمامي، الصّادرة عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *