نضال الحايك: كتاب “صيّاد  سمكة وصنّارة”

نضال الحايك

 

كتاب “صيّاد  سمكة وصنّارة” للكاتب المحامي فؤاد مفيد نقّارة
إصدار دار الشامل للنشر والتوزيع – نابلس، بالتعاون مع نادي حيفا الثقافي
الطبعة الأولى ٢٠٢٥

الصيّاد يجلس وحده ،الصّنارة في يده ،والبحر في عينيه ،والزمن يمرُّ تحت قدميه بلا صوت .كلُّ موجةٍترتجف كخيطٍ رقيق ، كلُّ سمكةٍ تهرب قبل ان تُلمَس ، والريح تسرق ما كاد يكون بين يديه .
هل هو البحر يغرقه، أم الزمنُ الذي يغرق فيه ؟
السماء صامتة ، الليل ممتد ، والنصُّ لم يُكتَب بعد … لكنه ينتظرُ على حافّة الصّنارة، والبحر يبتسم ، والزمن يهمس : لا شيء يُصطاد إلا ما بقي في القلب … طفولة شواطيء وبحر … (صيّاد … سمكة وصنّارة )… عنوان بسيط ظاهرياً . لكنّه يحملُ بنيةً رمزيّة جميلة :
ثلاثية قديمة في الفلسفة العملية : الإنسان – الأداة – الغاية .
فالإنسان قبل أن يتعلّم الزراعة تعلّم الصيد – فالصنّارة هي الخِبرة والصبر – والسمكة هي النجاح والحكمة في حياةٍ هي عبارةعن عملية صيد طويلة . ذكاء العنوان في الإيجاز – ثلاث كلمات يرى فيها القارئ مشهد الصيد فوراً ، وكأنه عبر آلة تصوير زمنية سريعة .
الكتاب ليس رواية بالمعنى التقليدي ، بل هو مزيج بين السرد الشخصي والمعرفة الطبيعية . فيه يستعيد الكاتب علاقته بالبحر وهواية صيد الأسماك . يكتب انطلاقا ً من شغفه بالبحر ، وارتباطه ببحر عكا ، حيث قضى كما يصف أجمل الأوقات العائلية ، ولذلك يحمل النص حنيناً واضحاً إلى البحر وتجارب الصيد .
يقع الكتاب في مائتيّ صفحة من القطع الكبير ، وينقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية :
الأول : تجارب ومغامرات الصيد مع البحر ومع الصيادين . الثاني : عالم الأسماك والمعلومات القيّمة عن أنواعها ، خصائصها وطرق صيدها . الثالثة : مجموعات من الطوابع التي تحمل صور أسماك أصدرتها دول عديدة .
قامت الأديبة صباح بشير بتحرير النص والإشراف عليه أدبيا ً ، ما أضفى عليه صياغة لغوية أنيقة . جرى إطلاق الكتاب في عِدّة أمسيات ثقافية ، إحداها في متحف محمود درويش في رام الله حيث قدّمها الإعلامي والكاتب نايف خوري .
يُعَدُّ الكتاب عملاً توثيقياًجميلاً لِعشّاق البحر والطبيعة ،يجمع بين الذاكرة الشخصية والمعرفة الواسعة بعوالم البحر والأسماك ، أكثر مما هو كتابٌ روائيّ أو قصصيّ .
كما ينبع الكتاب من تجربة حقيقية مع البحر والصيد ،لذلك فهو يحمل حرارة التجربة ، وليس مجرّد معلومات عامة . هذا يمنحه طابِعاً إنسانياً قريباً مِن القارىء . فالكاتب يدمج بين قصص الصيد والمغامرات .
وكأن القارئ يجد نفسه في إحدى رحلات السندباد البحري ، وخاصة تلك المغامرة حين رست السفينة على ما بدا له شاطىء جزيرة ، فاتضح وقد أشعل بعضهم النار ، إنها ليست سوى ظهر حوتٍ في سُباتٍ عميق ، أيقظته حرارة النيران . على عكس البحار التي لا يغمض لها جفن ، مثل بحر عكا ، حيث يستعيد الكاتب خبرات الطفولة ، وتعليم الأب له مهارات الصيد ، وهو ما يُضفي عليه بُعداً وجدانياً .
السرد واضح وسلس ، يعتمد على الحكاية المباشرة التي تجعل القارئ يشعر وكأنه في رحلة صيد ٍ حقيقية .
الكتاب أقرب إلى كتابٍ ثقافيّ – توثيقيّ منه إلى عمل روائي او قصصي . حيث بعض الفصول سردية ممتعة ، لكن فصول المعلومات العلمية قد تقطع الإيقاع الأدبي ، لِذا فهو كتاب تجربة ومعرفة، جميل ، مفيد وممتع .أدبُ تجربة ، ثقافي معرفي وواقعي ، لكنه يقول أن الصيد مدرسة للصبر .
كثير من الأدباء كتبوا عن البحر والصيادين ، مثل الصياد سانتياغو في رواية ( العجوز والبحر )للكاتب الأمريكي ( أرنست همنغواي )، ورحلة أوذيسيوس في عودته إلى أيثيكا ، ومقارعته أخطار البحار بسبب غضب بوسايدون للشاعر الإغريقي هوميروس ، ورحلات السندباد البحري في الألف ليلة وليلة ، وغموض مغامراته وما تعرّض له من أخطار في أعالي البحار .
البحر هو أقدم رمزٍ للغموض، منذ الأساطير القديمة ، يمثّل المجهول ،الإنسان يقف أمام عظمته ولا يعرف ما في أعماقه . لذلك يحب الأُدباء البحر لأنه رمزٌ للقدر والحياة . فالصيّاد في الأدب يُشبه الإنسان في الحياة : ينتظر – يصبر – لا يعرف ماذا سيصطاد – وقد يعود خالي الوفاض . لحظة الصيد تشبه لحظة الإبداع الأدبي ، فالكاتب يلقي الفكرة ، يتأمّل في الكلمات فيولد النص ، كما الصيّاد ، يلقي الصّنارة ، ينتظر ، يتأمل في مياه البحر ، تلتقط السمكة الطُّعم. .. يتعلّم ثلاث حِكَم أساسية ، الصبر ، التواضع أمام الطبيعة ، وقبول الخسارة . وهذه الثلاثة هي أيضاً حكمة الحياة وفلسفتها لذلك يقول بعض النقاد : ‘ كلُّ صيّادٍ يحمل في داخله فيلسوفا ً صغيرا ً – هو إنسان ٌيبحث عن المعنى -‘
فهل وجده الكاتب في بحر عكا ؟ أم ما يزال مختفيا ً في أعماق المياه ؟

تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.

شاهد أيضاً

محمد ميلود غرافي: صيّاد.. سمكة وصنّارة..وكتاب

محمد ميلود غرافي عندما زرت فلسطين رفقة الصديق الروائي حبيب سروري شهرين فقط قبل اندلاع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *