د. علي بدارنة: من التهجير الى بناء الذات

د. علي بدارنة:
من التهجير الى بناء الذات
الحساسية العالية تجاه العالم والأمكنة في سيرة د. يوسف عراقي.
“هذهُ حجارةُ بيوتٍ حفظتْ في ذاكرتِها كلَّ الحكايا التي كانتْ تدورُ داخلَها، ولمْ تنسَ كلَّ ما كانَ يحدثُ خارجَها منْ ملاعبِ ذكرى لطفولةٍ اقتُلعتْ منْ أرضِها قبلَ أنْ يقوى عودُها، فكبرتْ وترعرعتْ في الشتاتِ. هذهِ الحجارةُ الصامتةُ تنطقُ منْ جديدٍ وتصرخُ بأعلى صوتِها: “خذوني وابنوا بيوتَكم منْ جديدٍ”. (“عودةٍ على طريقِ العودةِ”، 2019، ص 122)
أعودُ إلى كلماتِ د. يوسفَ هذهِ (التي كتبَها بعدَ زيارتِه لبيتِي سنةَ 2016 ، وبيتي مبني منَ الحجارةِ القديمةِ)، فأراهُ يستنطقُ الحجارةَ ويحيي ذاكرتها، ويعيدُ بناءَها، ويقدمُها لنا في سيرةٍ ذاتيةٍ تؤرخُ سنواتٍ طويلةٍ منْ محطاتِ حياتِه منذُ النكبةِ والتهجيرِ حتى اليوم.
إنَّ ما يلفتُ الانتباهَ في هذهِ السيرةِ الذاتيةِ هو تلكَ الحساسيةُ العاليةُ للكاتبِ تجاهَ العالمِ؛ فهو لا يمرُّ على الأشياءِ مرورًا عابرًا. فيتركُ كلُّ مكانٍ في نفسِه أثرًا، ويحملُ كلُّ وجهٍ حكايةً، وتوقظُ كلُّ محطةِ سفرٍ في داخلِه طبقاتٍ منَ الذاكرةِ. وهذهِ الحساسيةُ هي ما يمنحُه القدرةَ على نقلِ المشاعرِ إلى القارئِ بصورةٍ مباشرةٍ وسهلة.
فحينَ يتحدثُ عنْ طفولتِه وصباهُ، يظهرُ بوضوحٍ أثرُ المعاناةِ المبكرةِ في تشكيلِ شخصيتِه هذه. فالطفولةُ القاسيةُ غالبًا ما تصنعُ نوعينِ منَ البشرِ: إما إنسانًا منكسرًا أمامَ الحياةِ، أو إنسانًا يحوّلُ الألمَ إلى قوةٍ معرفيةٍ وروحيةٍ. والكاتبُ ينتمي بوضوحٍ إلى النوعِ الثاني؛ فلمواجهة كلِّ ما مرَّ به، يحافظُ الكاتبُ على نظرةٍ تفاؤليةٍ لافتةٍ وقدرةٍ استثنائيةٍ على إعادةِ صياغةِ المعنى. فالطفولة القاسية تدفع الكاتب/الطفل الى تنمية خيال خصب والغوص في عالم الأساطير. قدرته الاستثنائية هذه لا تساعده فقط على مواجهة الواقع الصعب، لا بل تتعدى أبعد من ذلك بكثير، حيث يقرّ (في ص 16) بأنها “زيّنتْ عالمي ليبدوَ أجملَ منَ الواقعِ”.
وهكذا، تشكّلَ في داخلِه وعيٌ حادٌّ أصبحَ مصدرًا لفهمٍ عميقٍ للإنسانِ ونمّى حساسية عالية تجاه العالم والناس.
هذا الحسُّ الإنسانيُّ كان مثلا وراءَ اختيارِه مهنةَ الطبِّ. فقدْ تركتْ فيه حادثةٌ طفوليةٌ أثرًا حاسمًا حينَ رفضَ ممرضُ الطوارئِ معالجةَ صديقِه المصابِ قبلَ حضورِ أهلِه ودفعِ تكاليفِ العلاجِ. ومنْ هنا نفهمُ كيفَ استطاعَ لاحقًا أنْ يواجهَ أقسى الظروفِ الممكنةِ في مخيمِ “تلِّ الزعترِ”، طبيبًا شابًّا يحملُ في داخلِه إحساسًا أخلاقيًّا عميقًا تجاهَ الإنسانِ.
ومنْ هنا نفهمُ أيضًا، لماذا يحتلُّ العلمُ والثقافةُ هذهِ المكانةَ المركزيةَ في حياتِه. فإذا كانَ “العلمُ هو السبيلُ إلى كمالِ الإنسانِ” كما يقولُ الفارابيُّ، فإنَّ العلمَ لدى كاتبِنا هو “القوةُ التي تساندُ الحقَّ”(ص 21). فالعلمُ والمعرفةُ بالنسبةِ إليه ليسا ترفًا ثقافيًّا، بلْ وسيلةُ دفاعٍ نفسيٍّ ووجوديٍّ، ولذلكَ لمْ يتوقفْ عندَ الطبِّ كمهنةٍ، بلْ اندفعَ نحوَ الفلسفةِ، والتاريخِ، والأدبِ، والسياسة وحوّل معرفته وعلاقاته الواسعة في خدمة قضيته، ليحيّر يوسف شاهين الذي يقول له في مهرجان السينما في موسكو حيث التقيا، “انتو ايه؟ انت دكتور ولا بتاع سيما.. ولا بتاع أمن”؟ فيجيبه كاتبنا بتواضع فلسطيني” أنا ببساطة فلسطيني”!
لذلكَ تبدو هذهِ السيرةُ، نفسيًّا، سيرةَ إنسانٍ بنى نفسَه بالمعرفةِ بعدَ أنْ صقلتْه المعاناةُ، وإنسانٍ ظلَّ طوالَ حياتِه يحاولُ أنْ يفهمَ العالمَ لكي يستطيعَ احتمالَ العيشِ فيه. ولهذا استمرَّ في القراءةِ والسفرِ والانفتاحِ على الثقافاتِ، فـ “الإنسانُ بالنتيجةِ هو محصلةُ كلِّ تجاربِه في هذهِ الحياةِ” (ص 121).
إنَّ حبَّ الكاتبِ للأمكنةِ يكشفُ عنْ جانبٍ نفسيٍّ بالغِ الأهميةِ؛ إذْ يقولُ: “شعرتُ أنَّ منْ واجبِي تقديمَ لمسةِ وفاءٍ وعرفانٍ للأمكنةِ التي عشتُ فيها” (ص 17). ويقولُ أيضًا (ص 275): “كنتُ دائمًا صديقًا وفيًّا للأمكنةِ التي عشتُ فيها مهما اختلفتِ الأزمنةُ… فالأمكنةُ لديَّ لها سحرٌ خاصٌّ وقدرةٌ على استحضارِها بسرعةٍ، وحينَ تتذكرُها تعيدُك إلى مرحلةٍ عشتَها وتشتاقُ إليها بكلِّ تفاصيلِها”.
فالأمكنةُ عندَه ليستْ مجردَ جغرافيا، بلْ هي امتدادٌ للهويةِ والذاكرةِ. وكما يقولُ إدواردُ سعيدٍ: “إنَّ فقدانَ المكانِ هو نوعٌ منْ فقدانِ الهويةِ؛ لأنَّ الجغرافيا ليستْ مجردَ تضاريسَ، بلْ هي التاريخُ الشخصيُّ لكلٍّ منا”. فحينَ نحبُّ مكانًا، نحنُ في الحقيقةِ نحبُّ ذواتِنا التي تشكلتْ في ذلكَ المكانِ. والإنسانُ غالبًا ما يتعلقُ بالأماكنِ حينَ يشعرُ أنَّ الزمنَ يسلبُه الأشياءَ الأخرى، لذلكَ تتحولُ المدينةُ، والمدرسةُ، والمقاهي، والشوارعُ، وحتى محطاتُ العبورِ، إلى أوعيةٍ تحفظُ أجزاءً منَ الذاتِ. وربما لهذا يبدو الكاتبُ وكأنَّه يخشى ضياعَ الأمكنةِ؛ لأنَّها بالنسبةِ إليه تعني ضياعَ النسخِ القديمةِ منْ نفسِه.
ان منْ أعمقِ الجوانبِ النفسيةِ في سيرتِه ذلكَ التعلقُ بمحطاتِ العبورِ: بالقطاراتِ والمطاراتِ.
أما القطارُ، فهو ربما الرمزُ الأعمقُ في السيرةِ كلِّها، والذي اختارَه الكاتبُ عنوانًا لسيرتِه وزيَّنَ غلافَ كتابِه بلوحةٍ منْ أعمالِه. فصوتُ القطارِ القريبِ منَ المدرسةِ في طفولتِه لمْ يكنْ مجردَ صوتٍ عابرٍ، بلْ تحولَ معَ الزمنِ إلى جزءٍ منْ تكوينِه النفسيِّ. فالطفلُ الذي كانَ ينظرُ إلى القطارِ منْ بعيدٍ كانَ يرى فيه العالمَ الكبيرَ الذي ينتظرُه، وربما إمكانيةَ النجاةِ منْ ضيقِ الواقعِ الأولِ. ولهذا ظلَّ القطارُ يرافقُه في أسفارِه، حتى “أصبحَ رمزًا للسفرِ والمنفى معًا” ( يقول ص 30)؛ كأنَّ الحياةَ كلَّها رحلةٌ طويلةٌ بينَ محطاتٍ، وأنَّ الإنسانَ لا يملكُ إلا أنْ يواصلَ السيرَ مهما تبدلتِ الأماكنُ والوجوهُ.
أما المطارُ، فليسَ بالنسبةِ إليه مجردَ نقطةِ عبورٍ، بلْ مسرحٌ إنسانيٌّ كثيفٌ: وداعاتٌ، وانتظار ولقاءاتٌ، ومشاعر ومصائرُ معلقةٌ بينَ الرحيلِ والوصولِ.
إنَّ انجذابَه إلى مراقبةِ المسافرينَ يكشفُ عنْ حسٍّ مرهفٍ يرى ذاتَه في الآخرينَ؛ فكلُّ مسافرٍ ربما يوقظُ في داخلِه نسخةً قديمةً منْ نفسِه: الطفلَ الذي يحلمُ بالعودةِ، والشابَّ الذي يبحثُ عنْ مستقبلٍ، والرجلَ الذي أدركَ لاحقًا أنَّ الإنسانَ يحملُ غربتَه معه أينما ذهبَ. ويقولُ في ذلكَ: “كنتُ، كلما اشتدَّ بي الحنينُ، أستقلُّ الحافلةَ في نهايةِ الأسبوعِ متجهًا إلى مطارِ فنوكوفا… أغتبطُ برؤيةِ المسافرينَ مغادرينَ وقادمينَ. كانَ ذلكَ يمنحُني نوعًا منَ الراحةِ النفسيةِ يصعبُ تفسيرُها” (ص 127).
تمرُّ الأحداثُ عبرَ الكاتبِ وتتركُ أثرَها فيه، لأنَّه يتفاعلُ عاطفيًّا حتى معَ التفاصيلِ التي قدْ تبدو للآخرينَ عابرةً، لكنْ عندَه يصبحُ لكلِّ شيءٍ معنى، ولو في جملةٍ قصيرةٍ أو ذكرى صغيرةٍ. ففي رحلتِه البحريةِ الأولى منْ بيروتَ إلى أوديسا، كانتْ هناكَ سيدةٌ بلغاريةٌ رافقتِ المجموعةَ وأرشدتْها خلالَ توقفاتِ السفينةِ في اليونانِ وتركيا. فيكتبُ عنها: “أضفى وجودُها على رحلتِنا الكثيرَ منَ الطمأنينةِ والمعرفةِ” (ص 71).
لكنَّ الأثرَ الحقيقيَّ يظهرُ لاحقًا، حينَ يعودُ بعدَ سنواتٍ على متنِ السفينةِ نفسِها، وفي الخطِّ ذاتِه، لتتوقفَ السفينةُ مجددًا في “فارنا” حيث نزلت هذه السيدة في المرة الأولى، فيكتبُ ببساطةٍ موجعةٍ: “لمْ تكنْ تلكَ السيدةُ البلغاريةُ بينَ الصاعدينَ منَ الركابِ” (ص 180). في جملةٍ واحدةٍ فقط، يختصرُ الكاتبُ شوقَه وحنينَه وحاجتَه الدائمةَ إلى الطمأنينةِ التي يبحثُ عنها الفلسطينيُّ أينما ذهبَ.
انَّ عيشَ الكاتب في عدةِ دولٍ أوروبيةٍ أضافَ إلى شخصيتِه نوعًا منَ الازدواجِ الوجدانيِّ. فهو منْ جهةٍ ينتمي بعمقٍ إلى جذورِه الأولى، ومنْ جهةٍ أخرى اكتسبَ نظرةً كونيةً أكثرَ اتساعًا. وهذا النوعُ منَ الحياةِ غالبًا ما يخلقُ إنسانًا يشعرُ بأنَّه ينتمي إلى أكثرَ منْ مكانٍ، ولكنْ في الوقتِ نفسِه:
نَقِّلْ فُؤَادَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الهَوَى … مَا الحُبُّ إِلَّا لِلْحَبِيبِ الأَوَّلِ
كَمْ مَنْزِلٍ فِي الأَرْضِ يَأْلَفُهُ الفَتَى … وَحَنِينُهُ أَبَدًا لِأَوَّلِ مَنْزِلِ
فتبقى فلسطين بوصلته.
لذلكَ نجدُ في السيرةِ شعورًا خفيًّا بالغربةِ، حتى في اللحظاتِ التي يبدو فيها مندمجًا معَ العالمِ. إنَّها غربةُ المثقفِ الذي يرى أكثرَ مما ينبغي، ويتذكرُ أكثرَ مما يحتملُ، ليَصِل الكاتِبُ في نِهايَةِ المَطافِ إلى خُلاصَةٍ إِنسانِيَّةٍ عَميقَةٍ حينَ يَقولُ: «وَبَعدَ أَن قُدِّرَ لي أَن أُقيمَ، وَما زِلتُ، في هذا الغَربِ لِما يَقرُبُ مِن نِصفِ قَرنٍ… يُمكِنُني القَولُ إِنَّهُ مَهما بَذَلَ الإِنسانُ مِن جُهدٍ لِلتَّكَيُّفِ وَالتَّأَقلُمِ، تَبقى هُناكَ مِساحَةٌ رَمادِيَّةٌ تَفرِضُ نَفسَها على إيقاعِ الحَياةِ… لَكِن تَبقى الغَلَبَةُ لِمَدِّ الجُسورِ أَكثرَ مِنها لِبِناءِ الحَواجِزِ» (ص 334).
وَهكَذا تَبدو هذِهِ السِّيرَةُ، في جَوهَرِها، لَيستْ فَقطْ شَهادَةً على حَياةِ طَبيبٍ فِلَسطينِيٍّ استِثنائِيٍّ، بَلْ شَهادَةً على قُدرَةِ الإِنسانِ، رَغمَ كُلِّ ما يَمُرُّ بِهِ مِنِ اقتِلاعٍ وَخَساراتٍ وَمَنافٍ، على أَن يُحافِظَ على إِنسانِيَّتِهِ، وَأَن يَصنَعَ مِنَ الأَلَمِ مَعرِفَةً، وَمِنَ الذّاكِرَةِ مَعنًى، وَمِنَ الحَنينِ قُوَّةً لِلِاستِمرارِ.
إِنَّها سيرَةٌ ذاتِيَّةٌ تَحمِلُ اسمَ صاحِبِها، لَكِنَّها في العُمقِ سيرَةُ شَعبٍ كامِلٍ؛ فَقَدْ «كانَ وَما يَزالُ ذَلِكَ الارتِباطُ العُضوِيُّ بَينَ العامِّ وَالخاصِّ مِن أَكثرِ المِيّزاتِ التصاقًا بِالإِنسانِ الفِلَسطينِيِّ، حَيثُ تَتَداخَلُ خُيوطُ الوَعيِ الذّاتِيِّ بِنَسيجِ الوَعيِ الجَمعِيِّ لِتُشَكِّلَ الذّاكِرَةَ الجَماعِيَّةَ، لِذلِكَ فَهُوَ يَحمِلُ في داخِلِهِ هُمومَ الوَطنِ وَشَعبِهِ في حِلِّهِ وَتَرحالِهِ» (ص 129).
تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.