نضال الحايك: عن كتاب “سفر بَرلِك”

 

نضال الحايك

كتاب “سفر بَرلِك”، تأليف الدكتور  خالد تركي، إصدار مكتبة كل شيء في حيفا في سنة ٢٠١٨.

في الفصل الأَوَّل..الجذور

الحكاية التي بدأَت من الجدِّ، حيث يسرد الكاتب تجربة جدِّه الذي جُنِّد قسرًا في الجيش العثمانيِّ خلال الحرب العالميَّة الأُولى فيما عُرِف بِفترة (سفر برلِك) يركِّز الفصل على: مشهد الوداع القاسي/ التَّجنيد الإِجباريِّ ومعاناة الفلاحين/ قسوة السَّفر سيرًا على الأَقدام والجوع والمرض/ الصَّدمة النَّفسيَّة من الحرب/ هذا الفصل يؤسِّس للكتاب بوصفه ذاكرة عائليَّة حيث يعرِض كيف أَثَّرت هذه التَّجربة القاسية في الوعيِّ الجماعيِّ والسِّياسيِّ للشَّعب الفلسطينيِّ.

الفصل الثَّاني: في أَتون الحرب- ينتقل السَّرد إِلى تفاصيل الحياة داخل الجيش العثمانيِّ/ الفوضى التَّنظيميَّة / قلَّة الإمدادات/ الشُّعور بالضَّياع بين ولاءات متضاربة/ نظرة المجنَّدين العرب للحرب باعتبارها ليست حربهم/ يبرز هنا التَّحوُّل الداخَّليِّ في شخصيَّة الجدِّ، مِن فلاح بسيط إلى إِنسان بدأَ يسائل السُّلطة والواقع..

الفصل الثَّالث: العودة والتَّحوُّل – بعد انتهاء الحرب وهزيمة الدَّولة العثمانيَّة  عاد النَّاجون إلى عائلاتهم بما فيهم الجدُّ يوسف: العودة لا تعني النَّجاة الكاملة/ الخراب الاقتصاديُّ والإِجتماعيُّ/ تبدُّل البنية السُّكانيَّة والسِّياسيَّة/  بداية تشكُّل وعيٍّ سياسيٍّ جديدٍ/ هذا الفصل يربط بين تجربة (سفَر بَرلك) وبذور الوعيِّ الوطنيِّ لاحقًا في  ظلِّ الانتداب البريطانيِّ..

الفصل الرَّابع – الوعيُّ السِّياسيُّ المبكِّر – يتتبَّع الكاتب كيف أثَّرت

 تجربة الحرب على توجُّهات الجدِّ وأخويه سمعان، الفراري، وجريس الذين نجحا في التَّهرُّب من السَّفر برلِك وانضمَّا إلى الهاربين في الجبال والكهوف، قاوما مع رفاقهم، فيما بعد الانتداب البريطانيِّ ومخططاته، فأُصيب سمعنا برصاصة في فخذه الأَيسر حيث أَعاقته فيما تبقَّى من حياته، حيث كان أَخاهما الأَصغر عمرًا، جريس، يخاطر بحياته بعيدًا عن أًَعين العثمانيِّين وبصَّاصيهم للتَّواصل مع الفارِّين في الجبال.

حيث يتحدَّث الكاتب، د. خالد تركي، عن/ انخراط جدِّه في العمل السِّياسيِّ/ الاطِّلاع على التَّيارات الفكريَّة الحديثة وخاصَّةً التَّيارات الاشتراكيَّة/ النِّقاشات حول العدالة الاجتماعيَّة/ بدايات النَّشاط التَّنظيميِّ / هنا يتحوَّل النَّصُّ من سردٍ تاريخيٍّ إلى قراءة نشوء الفكر السِّياسيِّ الفلسطينيِّ في النِّصف الأَوَّل من القرن العشرين..

– الفصل الخامس – التَّنظيم والحركة- يتناول الكاتب في هذا الفصل نشوء أُطر سياسيَّة محليَّة/ دور الحركات اليساريَّة وخاصَّة الحزب الشُّيوعيِّ/ مواجهة مشاريع التَّهجير/ توزيع المنشورات والعمل السِّريِّ /

اللهجة هنا تحليليَّة حيث يوسِّع الكاتب الدَّائرة من الخاصِّ إلى العام..

الفصل السادس – تداخل القوميِّ والدِّينيِّ – يعرض الكاتب نماذج لشخصيَّات وطنيَّة من خلفيَّات مختلفة:

رجال دين / مناضلون سياسيُّون / مفكِّرون / بذلوا الغالي والنَّفيس، فالكاتب يركِّز على فكرة أَن النِّضال من أجل الوطن لم يكن أحادي اللون أو حكرًا على أحد، بل متعدِّد المرجعيَّات شاركت فيه كلُّ أطياف المجتمع..

الفصل السَّابع: التَّأمُّل الختاميُّ-جعل الكاتبُ الفصلَ الأَخير أقرب إِلى التَّأمُّل الفكريِّ يطرح السُّؤال الأهم: ما تبقَّى من سفَر برلِك في الذَّاكرة؟

وأَيُّ أجيال تصنعها الحروب الدَّامية؟

وعن العلاقة بين الماضي والحاضر واستخلاص النَّتائج، والسُّؤال الأَهمُّ

عن الهويَّة والاستمراريَّة. فالكاتب يُنهي (سفر برلِك) بأَنَّه ليس حدثًا تاريخيًّا عابرًا، أصاب أهل  بلاد الشَّام، بل جرحًا مؤسِّسًا في الوعيِّ الجمعيِّ “جرحٌ لا يندمل”.

البناء العامُّ للكتاب – يمكن تلخيص مساره في ثلاث حركات كبرى

– السَّرد الشَّخصيُّ – الجد والحرب-

التَّحليل السِّياسيُّ – تشكُّل الوعي والحركة –

التَّأَمل الفكريُّ -الهُوِيَّة والذَّاكرة –

هدف الكتاب- الكاتب لا يكتفي بالوصف التَّاريخيِّ فحسب، بل يُعيد بناء ذاكرة جماعيَّة عبر قصة جدِّه يوسف، يوظِّفها في سرد تاريخيٍّ يعكس معاناة النَّاس تحت استبداد التَّجنيد القسريِّ، وتبلور الوعي السِّياسيِّ الفرديِّ والجمعيِّ بعد تلك التَّجربة المريرة، وتأثيرها على المجتمع الفلسطينيِّ، ثمَّ يتحدث عن الدَّور الكبير الذي لعبه الشُّيوعيُّون من خلال النِّقابات في مواجهة تداعيات الحرب والاحتلال آنذاك..

الأُسلوب: يمزج الدُّكتور خالد بين السَّرد التَّاريخيِّ والسِّيرة الذَّاتيَّة والمراجع الوثائقيَّة، مما يمنح الكتاب غِنىً في المصداقيَّة. اللغة سلسة وغنيَّة، تجمع بين المعلومات التَّاريخيَّة والقصص الإِنسانيَّة بأسلوب جذَّابٍ، ما يُلفت الانتباه خلال القراءة، استدعاء الكاتب لأقوال وأمثال خالدة دعَمَتما كلَّ ما يتحدَّث عنه وما يرويه وأضافت إِلى النَّصِّ رونقًا وجمالاً.

 كلُّ الاحترام والتَّقدير للدُّكتور خالد تركي على هذا الكتاب القَيِّم ( سَفر بَرلِك)..

ملحوظة:

الكاتب هو خرِّيج جامعات الإتِّحاد السُّوفييتي، كلِّيَّة الصَّيدلة، جامعة زاباروجيا، أُكرايينا، عام أَلفٍ وتسعمائةٍ وستَّةٍ وثمانين، وكذلك حاصل على دبلوم سياحة وتاريخ مع مرتبة الشَّرف من جامعة بيت لحم عام أَلفين وأَربعة عشر، وهو عضو في جمعيَّة خرِّيجي الجامعات النَّاطقة باللغة الرُّوسيَّة وعضو في المركز الثَّقافيِّ الرُّوسيِّ، وكذلك هو عضو في المركز الفلسطينيِّ للدِّراسات وحوار الحضارات، من رواياته “من بيت لحم إِلى موسكو”، “عند منتصف الليل”، “جرحٌ لا يندمل”..

تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.

شاهد أيضاً

صباح بشير: في الشّتاء والدّفء المستتر..

صباح بشير حين تدنو خطى الشّتاء، وتخلع السّماء وقارها الأزرق؛ لتكتسي برداء من الغيم المكتنز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *