فؤاد نقّارة: في ذكرى الشّاعر مفلح طبعوني

فؤاد نقّارة

بقلوب يغمرها الشّجن ويحدوها الوفاء، نحتفي ونخلّد ذكرى قامة إبداعيّة سامقة، وشاعر طوّع الحرف لخدمة الكلمة الحرّة والقيمة الإنسانيّة.

إن الراحل مفلح طبعوني، شاعر سما بفنّه عن رصف القوافي، فكان نبضا حيّا للوطن، وصوتا صادقا للمحبّة، وصديقا وفيّا، خلّد في كلّ ركن من أركان في الصّرح الثقافيّ، وفي نادي حيفا الثّقافيّ، بصمة عميقة لا يمحوها الزّمن، ونحن إذ نستذكره اليوم، إنما نؤكّد أنّ الكبار لا يرحلون، بل يخلّدون في ذاكرة الورق وفي وجدان الأصدقاء.

حين أرتدّ بذاكرتي إلى وراء ثلاثة عقود من الزّمن، أستحضر تلك اللّحظات الفارقة، التي جمعتني بالفقيد الغالي؛ لأوّل مرّة في بيت إبنة العم الفنّانة سلوى نقارة؛ حيث تجلّت لي منذ اللّقاء الأول، ملامح شخصيّته الطيّبة، وجدته إنسانا يفيض لطفا ونبلا، ومبدعا مسكونا بشغف العطاء. ومنذ ذلك اليوم، توطّدت علاقتنا، وتجذّرت أواصر أخوّة وصداقة استمرّت على مدار تلك السنين، فلم تزدها الأيام إلا عمقا ورسوخا.

ومع بزوغ فجر نادي حيفا الثقافيّ، كنّا في طليعة الدّاعمين لمسيرته، ومن أوفى المساندين لحراكه الأدبيّ والشّعريّ؛ فقد احتضن النّادي نتاجه الإبداعيّ في محطّات مشهودة، نذكر منها تلك الأمسية التي أقمناها لإشهار ديوانه “نزيف الظّلال”، في يوم الخميس الموافق: 12.02.2015. وأمسية إشهار كتابه “داجون فلسطين” التي أقيمت بتاريخ: 17.09.2015.

لم يقتصر حضوره من خلال نتاجه الخاصّ فقط، بل شارك معنا في تقديم الأمسيات والمداخلات الثّقافيّة والنّقديّة على منصّة النّادي، يثري بفيض فكره أمسيات شتّى، وقد شددنا الرّحال معه إلى مدينة الناصرة بتاريخ 11.08.2017؛ لإشهار كتاب “حكايتي مع تلّ الزعتر”؛ للدكتور عبد العزيز اللّبدي، وشاطرنا الرّأي والبيان، بتاريخ: 19.04.2018، في أمسية تكريم الأديب الفلسطينيّ الدكتور المتوكّل طه.

هكذا، استمر عطاؤه متدفّقا، فكان حضوره فاعلا بتاريخ: 24.06.2021، وذلك في أمسية إحياء ذكرى الشّاعر توفيق زيّاد وإشهار الطبعة الثانية من كتابه “نصراوي في السّاحة الحمراء”، كما شارك بمداخلته ندوة إشهار كتاب: “نحو مجتمع عقلانيّ”؛ للباحث الياس نصر الله، بتاريخ: 21.10.2021.

وفي رحاب الشّعر مرّة أخرى، احتفينا بمجموعته “عودة جفرا” في حفل إشهار بهي، أقمناه يوم الخميس الموافق: 13.07.2023.

ووفاء منّا لمكانته، وحرصا على أدب التّواصل الّذي دأب عليه النّادي، خصّصنا له زيارة إلى بيته العامر بمدينة النّاصرة بتاريخ: 11.03.2021، تقديرا لمسيرة عطاء لم تنضب يوما.

أمّا عن إنتاجه، فيتجلّى إبداعه الشّعريّ والأدبيّ في تلك العفوية، والنّعومة الرّقيقة التي تنساب بين ثنايا ألفاظه وكلماته الرّشيقة، وصوره المتدفّقة، ورؤيته الجليّة، وما زاد هذا الإبداع بهاءً، هو ذلك الالتزام الفكريّ الصّلب، والانحياز المطلق لهموم شعبه، فكان صوت المسحوقين والكادحين والفقراء، يحمل قضاياهم بإنسانيّة أصيلة، وترفّع نبيل.

إن غاب مفلح طبعوني بجسده، فإن صدى كلماته سيبقى يتردّد في ردهات النّادي، وبين سطور دواوينه، التي ستظلّ مرجعا للأجيال. رحل الشّاعر وبقي الشّعر، وغادر الصّديق وبقي الوفاء؛ مضى صاحب الإبداع، وبقي الإبداع لصاحبه شاهدا، فنم يا صديقي طيّب الثّرى، هانئ الرّوح، قرير العين، فقد زرعت فينا من المبادئ ما لا تذروه الرّياح. رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جنّاته.

تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.

شاهد أيضاً

عبد النّاصر صالح.. وفاء الكلمة في ظلال نادي حيفا الثّقافيّ

  شهدت المنابر الثّقافيّة المحليّة، سطوع نجم وهب حياته وقلمه لخدمة قضايا شعبه، فكان الشّاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *