د. يوسف عراقي: قراءة في كتاب “نفحات من النقد” للأديبة والناقدة الأستاذة صباح بشير

د. يوسف عراقي
قراءة في كتاب “نفحات من النقد”
بدايةً أتوجه بشكري الجزيل للأديبة والناقدة الأستاذة صباح بشير، لإتاحتها الفرصة لي بقراءة كتابها المهم في مجال النقد الأدبي، لأعمال مجموعة من الشعراء والكُتّاب، والذي قرأته بشغف بمنظار القارئ العادي ، وذلك لما يتميّز به من سلاسة الاسلوب العذب، والمرصًع ببلاغة التعبير، ولما يحتويه من افكار وتحليلات نقدية، استطاعت من خلاله تفكيك شيفرة ما كان يقصده الشاعر او الكاتب من نصوص يكتنفها الغموض، قامت خلالها بمطالعة نقدية رفيعة المستوى في يختص بالشكل والمضمون لهذه النصوص، وتفوقت بتحليل الجوانب النفسية والاجتماعية والبنيوية للنصوص وتمكنت سبر أغوار مكنوناتها لتكون في متناول القارئ. خاصة لما للأدب، من خصوصية في رسم الواقع الثقافي، والاجتماعي، والفكري والنفسي، للمجتمعات على تنوعها، وتماشيا مع تاريخنا العربي حيث كان الشعر سبّقاً على النثر، استهلت كتابها بمعالجة النصوص الشعرية.
تقول الكاتبة: ” إن النقد هو المرآة الصادقة التي تعكس مواطن الضعف والقوة في النصوص الشعرية”. وأنها استعانت من المدارس النقدية المختلفة بالإضافة لخبرتها الشخصية، وتفاعلها الشخصي مع النصوص في هذه الدراسة، وذلك بهدف إثراء الرؤية و تعميق الفهم لدى المتلقي، مشّددةً على التزامها بالصدق والإنصاف، باحثة عن الجمال في الكلمات، بعيداً عن الضجيج وأوجاع الهدم
تحدثت عن علاقتها الوجدانية بالكتاب، واصفة إياه ببراعة :” برفيق الدرب الى النور, وان الأبواب المغلقة تتهاوى أمام سحره وكماله”.
تنتقل الكاتبة والناقدة للحديث عن الشعر العربي وتتغزل به واصفةً إياه “بنبض الوجدان وصوت الروح ومرآة العصور”.
أما تأملاتها في المشهد الشعري المعاصر ودعوتها للحفاظ على الأصالة، فنراها تتحدث عن الشعر العربي الفصيح فتصفه بـ ديوان العرب ومرآتهم الصافية التي تعكس أمجادهم، وتشبّه الشعر العمودي بنهر متدفق، من ينابيع الإبداع العربي الاصيل. كما أن الكاتبة ترى في الشعر النثري الحرّ، بأنه يمنح الشاعر مساحة أكبر للتحليق خارج الأطر التقليدية، وأنه قد استطاع أن يلقي بظلاله على الساحة وأتاح مساحة رحبة للعديد من الأصوات الابداعية الحقيقية، لكنه مع ظهور الكتّاب والشعراء الجدد على وسائل التواصل الاجتماعي، فترى إن مفهوم الشاعرية قد تغيّر، وصار أكثر اتساعاً وتسيّباً، يضاف إلى ذلك ضعف النقد الأدبي المتخصص. لذلك تدعو الى معالجة هذه التحديات. وتعتبر الأديبة بشير أن الشعر العمودي هو الأقرب إلى ذائقتها الأدبية.
من هنا بدأت الكاتبة في دراستها النقدية بالشاعر الإماراتي “عادل ُخزام” تقدمه لنا بأنه روح شعري في نصّ نثري في “أغنية الجنون”، واصفةً اللغة “كأداة التحرر والتمرد والمقاومة. وأبدعت في تفكيك رموز النص مثل:” وان ما ظنناه جنوناً، لم يكن سوى نبوغ سابق عصره، وأن الجنون هو فعل مقاومة ضد الرتابة النمطية، وأن الفم المغلق يوحي بحالة عدم القدرة على التعبير الحرّ. وترى في دعوة الشاعر الحاسمة:” من واجبي ان افتح الاقفاص الفارغة كي ُاحرّر الريح من كل افكارها” رؤية فلسفية عميقة للحرية. أما ما وصفته ببحث الذات في محراب الحب والخطيئة، من صور جمالية في قصيدة “مطر علي خدّ الطين” للشاعر العراقي “حسين الشياب”, حيث تجد ان القصيدة زاخرة بمفردات وجدانية فيها الحنين للوطن والبحث عن الحب وعن الذات. هنا تأخذ الكاتبة دورها النقدي بمهنية عالية وتفكك رموز القصيدة مثل “الغيم كرمز للأحلام”، وقرع الطبول للتعبير عن الفرح وتعبير “على حافة القمر المنسيّ أجلس” تعبيراً عن العزلة والوحدة. وتختتم تحليلها للقصيدة بالحديث عن الإيقاع في القصيدة على مستوى الكلمات أو الأسطر والجمل من حيث التفعيلات، والتكرار وتناغم الحروف، حيث تورد أمثلة على ذلك.
أما الشاعر الثالث في قائمة من اختارتهم الكاتبة فكان الشاعر “رفعت زيتون” وقصيدة “عين القلوب” من ديوانه “الرباعيات”. تصف الكاتبة القصيدة بأنها “تكشف أسرار العشق ودهاليزه، وهي في ذلك تخدم فكرة محورية تستقر في القلوب، وتثبت أن الشعر العمودي ليس مقيداً”. أثار انتباهها عنوان القصيدة واصفةً إيّاه بمفتاح بلاغي يشرّع أبواب القصيدة. وتعتبر العين أداة الإدراك الحسي المادي المبصر وتشير الى أنّ جوهر القلوب هي الجوهر الوجداني، والبصيرة الباطنية ومقرّ العواطف والأحاسيس العميقة، كما أن اختيار كلمة “قلوب” بصيغة الجمع يشير إلى شمولية التجربة الإنسانية في الحب.
تتحدث عن الإيقاع البسيط وقافية المعنى ووحدة المعنى والموسيقى، وتخلص إلى أن القصيدة هي لوحة فنية بديعة، تتغلغل في أعماق النفس، كاشفة عن فلسفة عميقة للحب. أمّا في دراستها النقدية لقصيدةٍ للأديب نايف خوري “نشيد لمدينة حالمة” فتراه يناجي مدينة حيفا، وتصف أسلوبه بالسهل الممتنع، ومزيج من تأملات فلسفية عن الحياة والموت، ومصير حيفا. حيث تشير رمزية موجة البحر في حيفا: ” بانها حالة اللاوعي والرغبة في تحرير اللاوعي من أغلاله”، تشخّص حالة الكاتب بأنه في صراع داخلي بين التمسك بذاكرة الوطن المفقود والشعور بالإحباط، وأن الوجود الإنساني، لا معنى له دون الانتماء والهوية.
تتحدث عن الحنين الى قريته ا لمهجّرة ” إقرث” وإلى علاقته بوالدته. وترى في وصف “حيفا نائمة كالعروس” وهو واحد من الكثير من الامثلة التي أوردتها عن أنسنة المدينة. وتصنّف القصيدة بأنها من قصائد الوصف، حين يدور الحديث عن إيقاع المدينة، وحيوية صباح حيفا: عن طلبة المدارس والعمال، البحارة الساهرين في المقاهي.
في معالجتها لقصيدة ” أقنعة الرهبة والصمت” للشاعر “صالح أحمد كناعنة”، قامت كعادتها بقراءة ثاقبة وغاصت في عمق النص الشعري بعيون الناقد الموضوعي لتفكك رموزه، وتظهير الصور الغامضة فيه، وتقديمها للمتلقي بطريقة سلسة وفي متناول القارئ العادي. تخبرنا عما أراد الشاعر إيصاله للقارئ، وبأن الموت هو الحاضر الدائم يهدد كل شيئ وهو الدافع الصرخة في وجه الظلم والقهر ودعوة للكفاح من اجل عالم أفضل. وتلفت انتباهنا الى التقنية البلاغية التي استعملها الشاعر لخلق حالة درامية مثل التقابل والتضاد بين الكلمات مثل الموت والحياة والخير والشر والظلم والعدالة، وتُبرز الدور الهام للقضايا الإنسانية في القصيدة مثل الحرية والعدالة والظلم. كما استحضرت الكاتبة المغزى الحقيقي لعنوان القصيدة، ورمزيه التي تتمثل بالقمع والخوف المفروض على الناس. أما قول الشاعر ” الخيمة اوتاد في جرح” فتعيدها إلى رمزية الشعور بالوحدة وحالة اللجوء والتشرد نتيجة الظلم. أما الصور المجازية ل “سيف المتنبي” في القصيدة فهي تدل على قوة الشعر وقدرته على التغيير وأداة للمقاومة ضد الظلم. وتضيء في تحليلها على البعد الفلسفي في القصيدة بين عبثية الحياة والامل وعبثية الموت والحياة، وأهمية الحلم والذاكرة في الحفاظ على الهوية.
وتنهي مقاربتها النقدية بالإشادة باللغة الشاعرية الأنيقة لما فيها من صور بلاغية ومجازية وتنشر القصيدة كاملة في نهاية التحليل.
تقول الكاتبة إن قصيدة جبران خليل جبران “أعطني الناي” كانت قد استقرّت في أعماق روحها منذ الطفولة، وخاصة وهي تسمعها بصوت فيروز الأسطوري الذي تعشقه عشقاً لا ينتهي. هكذا كان مدخلها للقراءة النقدية لهذه القصيدة الملتصقة وجدانياً بروحها. تتحدث عن أنين الناي الذي ينبع من أعماق الوجود، وتصفه بصوت الروح الذي يأبى الفناء، وأنه رمز الحكمة والتصوف،وهو صوت يتجاوز كل اللغات. تتحدث عن توالي طرح الأسئلة في القصيدة، عن جمال الطبيعة العذراء وبساطتها، وتذوق الحياة البسيطة في فضاء هذه الطبيعة، وتعتبر أن مقطع:”وشربت الفجر خمراً في كؤوس من أثير “، هو من أروع الصور الفنية التي أبدعتها ريشة جبران، حيث نشوة استقبال الفجر تشبه نشوة الخمر، التي تُتشرب كؤوس من أثير ذلك العنصر الشفاف واللامتناهي، يصبح فيها الإنسان جزءً من هذا الجمال اللامحدود.وتنتهي بحكمة عميقة في القصيدة عن طبيعة الإنسان الزائلة “إنما الناس سطور كتبت لكن بماء”. تسترسل الكاتبة في حفرياتها الثقافية في اعماق القصيدة، متحدثة عن رمزية الناي كجسر للتواصل ورمز للتحرر وأنينه هو تعبير عن أنين الوجود ورمزا للحرية والانعتاق، من كافة القيود للانطلاق في احضان الطبيعة. وتحدد مفهوم الغناء هنا صوت الإنسان مشمولاً إلى بصوت صوت الطبيعة من خرير المياه إلى هفيف الرياح وتساقط أوراق الشجر، وتعتبره نوعاً من التأمل العميق والطاقة الإيجابية، وتصف الطبيعة بأنها ملجأً ومنبع الإلهام. كما انها تعالج الصراع الأبدي بين المادي والروحي من خلال المقارنة بين الإقامة في القصور الفخمة والعيش في الطبيعة. في وصف عبارة “زاهداً فيما يأتي”، تحث فيها على عدم القلق من المستقبل. قامت الكاتبة بتحليل بلاغة الأسلوب وجمالية القصيدة، واصفة إياها بالإيقاع الموسيقي السلس العذب والذي يأسر القلوب وتلامس الوجدان. تتحدث عن الأثر العميق لهذه القصيدة على الساحة الفنية، وأنها أصبحت جزءً من التراث الثقافي العربي. ترى الكاتبة في هذه القصيدة جزءاً أصيلاً من الفلسفة التي طالما مّيزت فكر جبران ونزعة التصوف لديه، وعن التلاقي بين نفحاته الصوفية الشرقية، مع التيارات الرومانسية الغربية وهذا التمازج نتيجة تفاعله مع ثقافتين مختلفتين، هو الذي جعله ينتقي لنفسه مساراً فكرياً فريداً.
تصف الكاتبة صوت فيروز الأسطوري والشجيّ بأنه صوت الخلود الذي جسّد المعاني.وفي مقارنتها للقصيدة مع أعمال جبران الأخرى ترى فيها جوهر أو ملخص مكثّف لقصيدته المواكب، كما تشارك القصيدة في مواضيع الحب والفلسفة والروحانية الكثير من أعماله الأخرى. أما التركيز على الأنا، والتحدث بضمير المتكلم فتضعه الكاتبة في خانة الإحساس بالقرب من تجربة الشاعر مشركة القارئ في هذا المسعى الوجودي.
وتختم حديثها عن القصيدة بتقييمها كتحفة أدبية وفنية خالدة تجمع بين عمق الفلسفة وجمال اللغة. والبحث عن الخلود من خلال التعبير عن الروح، وأن أهمية الغناء كسّرٍ للوجود ووسيلة لارتقاء الروح، متذكراً ما قرأته سابقاً لجبران في كتابه الرائع النبي: “ولن ترقصوا حقاً إلا بعد أن تضم الأرض اعضاءكم”.
تنهي الكاتبة بحثا النقدي في عالم الشعر بقصيدة “الأطلال” لكوكب الشرق ام كلثوم. والتي وجدتها تتربع على عرش قلبها، وأنها حفظتها عن ظهر قلب منذ نعومة أظفارها. كما تذكر. وتذكرنا بأن هذه القصيدة للشاعر المصري الكبير إبراهيم ناجي، جاءت تجسيداً شعرياً لقصة حب قاسية، تحولت المحبوبة فيها إلى أطلال، بصوت ام كلثوم الخالد. حيث تعتبر القصيدة أيقونة من أيقونات الشعر العربي الحديث .و تغوص الكاتبة عميقاً مفتشةً في أعماق المعاني في محاولة لتفكيك رموز تلك الصور الفنية حيث برع الشاعر في تصوير المشاعر والأحاسيس الإنسانية المعقدة في قالب شعري بديع ولغة رصينة، وتقودنا إلى بيت القصيد و الصورة المحورية في القصيدة حيث تشبّه الحب “بصرح ٍ من خيالٍ فهوى”، مُعبّرةً عن عظمته وهشاشته وعن تساؤل الشاعر بمرارة وصدمة “كيف ذاك الحب أمسى خبراً، وأحاديثاً من أحاديث الهوى”، تقدم لنا بشير مطالعة نقدية في تفكيك شفرة الأبيات الشعرية، في هذه القصيدة بمهارة فائقة تضع المتلقي أمام حقيقة ما كان يجول في داخل الشاعر من المشاعر والاحاسيس والمعاناة الجسدية والنفسية. تصل معها إلى خاتمة القصيدة حيث اللقاء بعد فترة طويلة من الفراق ” وتلاقينا لقاء الغرباء”. وأن القدر والحظ هو الذي قال كلمته في ذلك.
أما عن لغة القصيدة فقد وصفتها الكاتبة بأنها “وعاء شفّاف للمشاعر الصادقة”، وبدت مفتونة بالأساليب البلاغية المتنوعة، ألتيّ تضفي على النص شعوراً بالألم، كما في “كيف ذاك الحب أمسى خبراّ؟”. كما وأنها أفردت مقاماً سامياً للإيقاع المنتظم والموسيقى الداخلية التي ساهمت مع الموسيقى الخارجية في جعل القصيدة عصيّة على النسيان.
وتفرد الكاتبة حيّزاً خاصاّ للحديث عن ألحان رياض السنباطي واصفةّ إياها بالروح الموسيقية للأطلال، وأنها بفضل هذه الموسيقى والأداء الرائع لكوكب الشرق جعلا من “الأطلال ” أيقونة خالدة، وكانت موسيقى السنباطي قمة في فن التعبير الموسيقي عن النص الشعري مرجعة ذلك أنه لم يتعامل مع القصيدة على أنها كلمات تحتاج إلى نغم. بل فهم روحها وفلسفتها العميقة، وبالتالي كانت جزءً مهماً من هوية القصيدة.
أما الأداء الأسطوري لأم كلثوم فعبّرت عنه الكاتبة ب :”التجسيد العبقري للغة والموسيقى والشجن”. وان ذلك كان سبباً في تحوّل “الأطلال ” إلى أيقونة خالدة.
*****
للبحث بقية، في الجزء الثاني من هذه المقالة: سأتحدث عن “بوح السرد ومرايا الروح ” بين فن الرواية والقصة، وتجلياتها الإنسانية، للناقدة صباح بشير.

تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.