د. صالح عبّود: الاغتراب في “مزامير لرفيق” للشّاعر أسامة حلبي

 

د. صالح عبّود

 30.10.25

 

يُقوّضني بِمَنفايَ الأنينُ

وَيَهْزِمُني التلَهُّفُ وَالحَنينُ

وَلي في والِدٍ وَتَرٌ أُُغَّنِّي

بِلَحْنٍ شَجَّني وَأَنا الشَجين

سَلا عَنّي الرَّفيقُ مَتى تَنأى

وَفَرَّقَ بَيْننا شَرٌّ مَكينُ

فلا أَبْقى لَنا جَمْعًا يُسَلّي

وَلا وَصْلًا وَلا أَمَلًا يُعينُ

رَزَتْني الحادِثاتُ بِفَصْلِ روحٍ

عَنِ الأَصْلِ الذي لا يَسْتَكينُ

فَروحُكَ يا أبي روحٌ سَتَرْسو

بِعلياءِ القَداسَةِ إذْ تَدينُ

بِدينِ المُؤمنينَ وَكلِّ عُرْفٍ

رَزينٍ حَثَّهُ رَجُلٌ رَزينُ

سَأهْتِفُ في مَزاميري رَفيقًا

بِبُقْعةِ كَرْمِلٍ شُمِلَ الدَّفينُ

أُناديكُمْ بِبِرّي في حِياتي

نِداءً لَيْسَ تُجْمِلُهُ السِّنينُ

فَلا أَنْساكَ يا وَجَعًا حَبيبًا

وَلا يَنْساكَ مِنْ بَعْدي البَنونُ

أُسامَةُ في رُسومِ البِرِّ باقٍ

على عَهْدٍ تَوَقَّرَ لا يَهينُ

فَلا أَنْساكَ يا أَبَتي وَلَكِنْ

يَشُقُّ عَليَّ في الليلِ الأَنينُ

 

السيّدات والسادة،

مزاميرُ لرفيقٍ: رسائلُ ابنٍ لأبيهِ ونصوصٌ ذاتيّةٌ ورثائيّةٌ أخرى، هيَ في مُجملها مجموعةٌ شعريّةٌ شعوريّةٌ صدرتْ عام 2022 في القدس على نفقة وطباعة شاعرنا المبدع أسامة رفيق صالح عزّام حلبي، وتشتملُ خمسةً وعشرينَ نصًّا سوادها الأعظم مرثِياتٌ تناولت شخصيّاتٍ هَلَكَت في صدارتها والدُ الشاعر رحمه الله، والرسّام الكاريكاتير الفلسطينيّ الراحل ناجي عليّ، والشعراء والأدباء والباحثون المثقّفون المبدعون الراحلون: سميح قاسم، سلمان ناطور، أحمد دحبور، معين حاطوم، مفيد قويقس، قيس فرّو، تميم منصور، حنّا أبو حنّا، يضاف إليهم بعض الأصدقاء والمقرّبين على غرار: عثمان زعبي، محمّد عليّ ماضي، ماري توتري، جمال عرسان إدريس رحمهم الله تعالى، وقد نُشرت بعض تلك النصوص في مجموعته السابقة الصادرة عام 2016 بعنوان “تاق الجواد الراحة”، والتي تعرّضْتُ لها ذات أمسيّةٍ عُقدت في هذه البقعة المباركة في خميسيّةٍ من خميسيّات نادي حيفا الثقافيّ الماضية، فأهلًا بكَ عزيزي أسامة، ونحنُ اليومَ في محفل تكريمك شاعرًا جديرًا بالثناء الأكمل والعرفانِ الأمثل، بمناسبة إشهار مجموعتيك الشعريّتين “شكٌّ ويقينٌ”، وقد تناولها بدرايةٍ وعنايةٍ حاويةٍ مصطفاةٍ ناقدنا العزيز د. صفا فرحات، ومجموعة “مزاميرُ لرفيقٍ: رسائل ابنٍ لأبيهِ ونصوصٌ أخرى”، وهي محلّ مدارستي ومُذاكرتي الآن، وأنا أغبطكَ على بلائِكَ الذي قد ينأى بحملهِ ووزرهِ أولو العُصبةِ من الرجال وحيدًا لسنواتٍ ما تزالُ تعبثُ بكَ عواصفُها الشجيّةُ المتحجّرةُ وأنتَ كما أنتَ؛ أسامةُ الذي غَلَبَهُ بِرّهُ لوالدهِ على نفسهِ وهواجسهِ، فَاختارَ أن يكون إسماعيلَ وإسحاقَ؛ كي يُثبتَ لذاتهِ ولوالدهِ الرفيق أنّه على عهدِ البرِّ لازبٌ عازمٌ رغمَ غِلظةِ الأقدارِ وفظاظةِ الحَيرةِ ووَحْشَةِ السُبُلِ طوالَ سنواتٍ عجافٍ أكَلْنَ فيهِ عزيمتَهُ المتوقّدةَ في خلوتهِ القُدسيّةِ الحاجزةِ ذاكرتَهُ الفارّةَ إلى مسقطِ رأسهِ داليَتَهُ الكرمليّةَ الحلبيّةَ الممنوعِ عنها زَمنًا سَيِّدًا أرغمهُ برُّهُ بِطاعتهِ على كُرْهٍ منهُ..

السيّدات والسادة

لعلَّ من بابِ أولى أن انتقلَ وإيّاكم إلى تناولِ جانب الاغتراب والمنفى في هذه المجموعةِ الحزينةِ الكاسِفةِ الواجمةِ، وأن أتركَ لشاعرنا البوحَ بعلّةِ ما وردَ في سوادِها وبياضِها من حروفٍ منسوجةٍ بخيوطِ العذابِ والشكوى، ولا سيّما بسبب ما وقع بينه وبين والده رحمه الله تعالى من قطيعةٍ ومُهاجرةٍ بانتْ بينهُ وبينَ أصلهِ فحمّلَتْهُ وجشّمَتْهُ عِبئًا من العسيرِ حملُهُ وَتَكَلُّفُهُ، وصادقٌ ذلكَ القائلُ: منْ ذاقَ عَرَفْ!

أمّا أنتَ يا أسامةُ، فقد قلتُ فيكَ قبلَ سنواتٍ ما أبعدها وما أقربَها، هنا، وبين يدي بعض الحاضرينَ الآن: “كمْ كنتُ أشعرُ بالسعادةِ وأنا أطالعُ نصوصَكَ التي وقعت عندي موقعًا حسنًا، الشعرُ عندي بعد قراءَتكَ يا أيّها الأسامة، فقد لاقيت فيك وفي نصّك المدوّن نديمًا كريمًا، وشاهدًا مُقيمًا يشهدُ أنّ الشعرَ مطيّةٌ يركبُها الشاعر الذي ملكَ زمامَ جَوادهِ، وَجالَ بهِ وصالَ في حومةِ الكلماتِ والأبيات،ِ حتّى طَوى معها سَفَرَهُ، وقضى منها وَطَرَهُ.. قد أيقنتُ من قَبلُ، ومن بعدُ، أنَّ القصيدَ الفاخرَ الجيِّدَ، والشاعرَ الناظمَ السيّدَ، ليسَ مجرّدَ صُدفةٍ أو إتباعًا لِرَدفَةٍ، بل إنّهُ كفايةٌ يُؤتاها الموهوبُ، ودرايةٌ يكفلُها الحرصُ الدءوبُ..

علمتُ أيّها الشاعرُ الحلبيُّ من خلال مادّة شعرك في مجموعتك “تاقَ الجواد الراحةَ”، أنّ التقعّرَ والتنطّعَ في معايير البناءِ والشكلِ في القصيدةِ يفسدُها، ويُخرِجها عن طورِها وحدِّها، وأنَّ التعادليّة بين المبنى وشروطهِ التقليديّةِ وفي مقدّمتها الوزنُ في البيت الشعريّ، وبينَ المعنى وحقولهِ الدلاليّةِ في السياقِ اللفظيِّ، معَ الاهتمامِ ببالغِ الجدّيّةِ بالصورة الشعريّةِ في التكوينِ النصّيِّ، كلُّ ذلكِ يحقّقُ شعرًا رفيعًا ينأى عن أن يكونَ رقيعًا..”، وها أنا أجوبُ نصوصَكَ الحيّةَ بفضلِ علّةِ الموتِ التي ألزمتكَ أن تكتبَ ذاتكَ مغتربةً تصارعُ فراقًا لا يزالُ هادمًا للذّاتِ الأُنسِ والحياة.

السيّدات والسادة،

يدلّ الاغتراب لفظًا على دلالة البُعد والنّزوح، وتلتفّ دلالاتُ الجذرغ.ر.بومشتقّاتُهُ في معاجم العربيّة حول محاورَ ثلاثةٍ أساسيّةٍ: الأوّل مرتبطٌ بالمكان بصفته فضاءً جغرافيًّا ملموسًا، فالبعد عن الناس والإبعاد عن الوطن هو غربةٌ مكانيّةٌ تفرضها الشقّة المكانيّة الظرفيّة، أمّا الثّاني فهو الغربة الاجتماعيّة، ومنطقها فقدان الانتماء إلى بيئةٍ اجتماعيّةٍ مألوفةٍ والانزياح منها إلى ما هو موحشٌ، والنفور منها واعتراضها لما تخلّفه من مشاعرَ حسّيّةٍ تُذكي الفراغ والوحشة، وينسب شاخت ذلك النوع منه إلى إبداع الفرد بكونه خارجًا عن أنماط التفكير العاديّة متميّزًا بتفكيرٍ متعمّقٍ وخارجٍ عن التقاليد والعرف (شاخت، 1980: 30)، أمّا النوع الثالث فيُعنى بالغربة اللّغويّة، وتأتي عند استعمال اللّفظ الغامض، غير الشّائع، الذي لا يُكشف كنهه ومعناه بيسرٍ؛ فيتعسّر فهمه دون تأمّلٍ وتفكيرٍ ومعونةٍ، فتزيّف اللّغة دلالاتها وتُبطل كونَها رمزًا للحقيقة، فتميّع معناها الحقيقيّ وتخادعه وتغترب عن وظيفتها الأساسيّة وهي الوضوح والتواصل (هياجنة، 2005: 8-9). لم يميّز علماء اللّغة بين ألفاظ:الغربة،الاغترابوالتغرّب، فهي عندهم بمعنًى واحدٍ هو الذهاب والتنحّي عن الناس، وهنالك توجّهٌ آخر يرى في كلّ غربةٍ حصلت قهرًا غربةً، وكلّ غربةٍ حصلت طوعًا اغترابًا، فالاغتراب في قولهم نابعٌ طوعًا، باختيار الفرد؛ لعدم انسجامه مع المجتمع وعدم رضاه عن تقاليده ومعاييره، فالغربة الحاصلة بمحض الإرادة غربة الذات، والغربة الحاصلة قسرًا هي غربة القهر (خليفة، 2003: 45).

ويشير مفهوم الاغتراب في اللّغة الإنجليزيّة إلى غياب الوعي الذهنيّ، وفي اللّغة الألمانيّة إلى نقص الصحّة العقليّة، وقد استخدم في الإنجليزيّة بمعنى المعتلّ غير السليم (شتا، 1993: 23).

الاغتراب في مفهومه العمليّ هو شعورٌ إنسانيٌّ بالعزلة عن المجتمع، وعدم القدرة على التكيّف فيه ومع أفراده، وهو تعبيرٌ عن توتّرٍ وقلقٍ نفسيٍّ وتيهٍ ذاتيٍّ وإحساسٍ بالخوف مع فقدان أفق الأمل والأمن والسعادة والتواصل الطبيعيّ (جمعة، 2011: 24)، ويتعرّض الإنسان المغترب إلى الضّعف والعجز والانهيار في الشخصيّة، ويغلبه شعوره بالانفصال عن المجتمع والانسلاخ عن الثقافة الاجتماعيّة السائدة فيه (جديدي، 2012: 349)، وبالتالي يمتزج المعنى الاصطلاحيّ للاغتراب بالدلالة اللفظيّة التي يحملها في كونه ابتعادٌ جسديٌّ محسوسٌ وذهنيٌّ شعوريٌّ داخليٌّ (الركابي، 2009: 85)، ويترتّب عليه جملةٌ من التداعيات والردود الحسّيّة والفعليّة المتضاربة بين السكون والتمرّد والإقدام والإحجام، والثورة والتمرّد والاستسلام والخضوع، بدرجةٍ نسبيّةٍ بين كلّ فردٍ وآخر (إبراهيم، 1975: 153).

فسّر فرويد الاغتراب من خلال نظريّته في التحليل النفسيّ، وذكر أنّه أثرٌ ناجمٌ عن حضارةٍ بشريّةٍ فرديّةٍ تعارضت مع رغبات الفرد وما يصبو إليه، وبذلك يعتبر الاغتراب نتاجًا لصراعٍ بين الذات والضوابط التي تخلق عند الفرد ضغوطًا تدفعه للجوء إلى الكبت كآليّةٍ دفاعيّةٍ لحلّ الصراع الناشئ فيه (زعتر، 1986: 20).

السيّدات والسادة

يتنوّع الاغترابُ وتتعدّد أنماطه في مجموعة شاعرنا الأسامة، مرهونةً بمؤثّراتٍ اجتماعيّةٍ ونفسيّةٍ وسياسيّةٍ ونحوها، ومن أبرز الأنماط السائدة للاغتراب بين دفّتَي “مزاميرٌ لرفيق”، أربعة أنماطٍ هي:

  • الاغتراب الاجتماعيّ، متمثّلًا بمشاعر الفرد بغياب التفاعل بين ذاته والآخرين، ويبدو ذلك من خلال ضعف العلاقات مع الآخر وشحوب الإحساس بالمودّة والألفة الاجتماعيّة معه، وينجم عادةً عن رفضٍ اجتماعيٍّ يعيش الإنسان في ظلّه حالات افتقادٍ دائمٍ للدفء العاطفيّ (النوري، 1979: 33)، ومثاله غير واحدٍ من نصوص المجموعة ومنها: “موتٌ مفاجئٌ”، “حوارٌ معَ موتٍ مغرورٍ”، “أحيطوه بحبّ”، “ليس رثاءً”، “سيعضُّ الموت أصابعهُ” وغيرها.

  • أمّا النمط الثاني من أنماط الاغتراب في مجموعتنا فهو الاغتراب النفسيّ، متجلّيًا بافتقاد المغزى الذاتيّ والجوهريّ للعمل الذي يؤدّيه الفرد في محيطه، وغياب مشاعر الرضا والإطراء الذاتيّ والغيريّ والإحساس بالفخر، وذلك يدفع الفرد للشعور بغربةٍ نفسيّةٍ تنعكس في قدراته وعطائه (النوري، 1979: 19)، ومثاله في نصوص المجموعة: قصيدة “تتسلّل ذكراكَ مبتسمه” (ص: 29)، وفيها يذكّرُ يومُ الأرضِ الشاعرَ بذكرى موت والده السابعة، وهو منشغلٌ بتساؤلين اثنين هما: “هل أصبحَ موتكَ أمرًا عاديًّا؟ وغيابكَ أضحى ظرفًا ودّيًّا؟”، فيأتي النصّ مسترسلًا في وصف الوالد وحضوره المتضادِّ كسائر الآباء في دالية الشاعر الكرمليّة، إلى أن يصل من خلال صورٍ شعريّةٍ منسولةٍ من ذاكرة الماضي الجميل والوالد الأصيل إلى إجابةٍ تبرهن أنّ التساؤل الأوّل كان مجازيًّا إنكاريًّا والثاني حقيقيًّا.

  • ويبرز في نصوص المجموعة الاغتراب المكانيّ وهو ثالث الأنماط حضورًا في نصوص المجموعة، فحينما يغادر الفرد وطنه طوعًا أو كرهًا لأسبابٍ سياسيّةٍ أو اقتصاديّةٍ أو فكريّةٍ أو غير ذلك؛ فإنّه يدخل حالة الاغتراب المكانيّ الذي يشعل فيه مشاعر الحنين إلى الوطن وذكرياته (عمر، 2013: 39)، ونصوص المجموعة المتّصلة بمحنة الشاعر مع والده المرحوم زاخرةٌ بالتعبير الاغترابيّ المكانيّ، ولنا في هذه الصورة الشعريّة المعبّرة التي وردت في قصيدة “بين ساعتين” (ص: 27) خير تمثيلٍ لذلك:

“أينك يا أبي؟ أُغادرُ حدودي الضيّقة، أحمل أرضي وحصاني، فوقَ كتفَيَ المُحبَّيْنِ، أدخلُ حدودَ البياضِ الودودِ، تبتسمُ فوقَ مرقدكَ علامةُ السؤالِ، وأغبطُ ترابًا يضمّكَ”، فمثل هذه الصورة الاغترابيّة المرّةِ المشبعة بمرارة فراق الأرض بما فوقَها وتحتَها يفضي بالشاعر إلى توديعِ ساعة المطرِ عند دقّتها الأخيرة، وهي لحظةٌ تتوقّف معها الأزمنةُ في ميازين الفراق الروحيّ المقيت.

  • ثمّ يشيع في نصوص المجموعة برمّتها نمطٌ رابعٌ هو الاغتراب الزمانيّ، ومردّه فقدان الأحبّة ممّن صفتِ الحياة بهم، ويوظّفه شاعرنا الأسامة بشكلٍ مؤثّرٍ ومحوريٍّ في سياقاتٍ عديدةٍ وتراكيبَ وصورٍ شعريّةٍ مُغْرَقَةٍ بالحبّ والحنين، وقد دلّ عليه غير واحدٍ من نصوص مجموعتنا، ويعبّر الشاعر من خلاله عن الحنين والشوق للأشخاص الذين رحلوا وقضوا، فانفصل الشاعر عنهم وأخلفوه غيابًا وغربةً طويلةً لا تنتهي، ونصّ “حكاياتٌ قصيرةٌ” شاهدٌ دالٌّ يبرز مشاعر الفقدان والحزن والوحدة التي تصاحب فقدان الأحبّة، وتداعياتهِ في حياته وطبيعة تفكيره، فذكرياتهم كثيفةٌ تضفي عليه مزيد فجيعةٍ وحرقةٍ، ويبرز الزمان في النصّ من حيث كونه غريبًا سريعًا واقعًا تحت تأثير غياب الأحبّة والاغتراب، فهو الذي يمضي مسرعًا خاليًا من الهناء والطمأنينة، وقد تحوّل من حالٍ إلى ضدّها، فكان من قبل زمنًا بطيئًا حافلًا بالفرح والبركة والحكايات الخالدة الحافلة بأسماء من سطّروا مرحلة الماضي البعيد القريب كالجدّ أبو محرز ومجريات حادثة كسر قدم شاعرنا التي وارت كذبةً وبسمةً هشّةً في محيّا الولدِ والوالدِ، وبطبيعة الحال، فيمكن للشاعر أن يوظّف الكثير من الصور الشعريّة والمفردات العاطفيّة لوصف الاغتراب الزمانيّ، على غرار تصوير الأيّام الجميلة التي كانت تمضي مع الأحبّة، والتعبير عن الشعور بالفراغ والغياب الذي تركهما رحيلهم، واستعادة ذكرياتهم المشتركة. يختم الشاعر النصّ بقوله (ص: 41):

“أكتبُ لأطيلَ مكوثي في ذاكرة الحياة

لأجلكَ ولأجلي

إنّي لا أخشى موتًا يا أبي

لكنّي أخشى سطوة النسيان”

قدّم هذا المقطع الشعريّ الختاميّ المكثّف، تحليلًا نفسيًّا عميقًا لعلاقة الشاعر بالكتابة شعرًا ونثرًا، والموت، والحياة، والنسيان. إنّه ليس مجرّد اعترافٍ يذيّلُ به النصّ، بل هو بيانٌ فلسفيٌّ حول الخلود الإنسانيّ، وقد افتتح الشاعر المقطع الختاميّ بالفعل الدالّ على الفعل والإرادة أكتبُ”، والكتابة في هذا السياق ليست مجرّد تعبيرٍ عن حزنٍ عابرٍ أو رثاءٍ تقليديٍّ نابعٍ من شعورٍ آنيٍّ فحسب، بل هي وسيلةٌ لتحقيق هدفٍ أسمى وغرضٍ وجوديٍّ، يتجلّى في عبارة: لأطيلَ مكوثي في ذاكرة الحياة، فهنا تتحوّل الكتابة إلى أداةٍ لمقاومة الفناء، فيُشير المصدر “مكوثي” إلى رغبة الشاعر في الخلود الرمزيّ المجازيّ، لا الخلود الجسديّ، إذ تصبح الكلمات هي الوعاء الذي يحمل روحه وحضوره، ويكوّن لذاته الثاكلة كونًا حافظًا لسجلّ والده.

يشهد النصّ رغم قصره على تكثيفٍ واعٍ يعكس ثنائيةً ترتبط بالغاية، وهذا جليٌّ في قوله: “لأجلكَ ولأجلي” وهما مزجٌ وتوحيدٌ للذاتيّ والموضوعيّ معًا، وقد قدّم الغاية المرتهنة بالوالد وأخّر الغاية المرتهنة بذاته، والغاية الأولى- هي الحفاظ على ذكرى الأب الراحل، فالكتابة معها تتحوّل إلى شاهدٍ وسادنٍ يمنع صورته من التلاشي، امتدادًا لحبّ الابن الذي لا يريد للموت أن يكون الكلمة الأخيرة، وهذا يمثّل جوهر الرثاء الحديث؛ الرامي إلى التخليد لا البكاء والاستعبار. أمّا الغاية الثانية- فهي تثبيت وجود الشاعر ذاتيًّا من خلال فعل الكتابة وتخليد ذكرى الوالد رحمه الله، إذ يتحقّق معنى وجودِه عبر ذلك الفعل، ويُؤكّد ذاته ككائنٍ فاعلٍ ومُخَلِّدٍ، لا مجرّد متلقٍّ للنائبة، وهذا ما يمكن نعته عندي بتطهيرٍ نفسيٍّ وتزكيةٍ وتأكيدٍ للهويّة التي شكّلها الأب قبل رحيله وبعده.

ينتقل الشاعر بعدها إلى سطرين هما نهاية النصّ وفيهما صلب العاطفة والفلسفة التي تحرّكه، مقدّمًا مفارقةً مؤثّرةً تدلّ على تعزيزٍ نفسيٍّ أو نضجٍ وجوديٍّ، فالموت الحتميّ لم يعد هو العدوّ الأكبر، لكنّه يخشى سطوة النسيان، وتمثّل هذه العبارة بما تحمله من دلالةٍ نقطة التحوّل والذروة في النصّ، إذ تُعرّي الخوف الحقيقيّ للإنسان، ليس من الموت الجسديّ، بل من الموت الرمزيّ، وما النسيان بما فيه من قوّةٍ غاشمة وسطوةٍ تمحو الأثر والوجود والمعنى، إلّا العدوّ الأشرس.

لقد أيقن الشاعر أنّ الكتابة والشعر هي مطيّته الفُضلى لمواجهة سطوة النسيان والغياب، وأيقن كذلك أنّه إنّما يدفع عن نفسه بذلك نسيانه والده ونسيانه وجوده المرتهن بوالده أيضًا.

السيّدات والسادة،

تقع قصيدة “رسالةٌ إلى أبي” (ص: 12)، وهي أولى النصوص في ترتيب المجموعة، ضمن نصوص الاغتراب الجامعة بين أكثر من نمطٍ واحدٍ له، فهي شاهدُ الاغتراب المكانيّ والزمانيّ معًا، ولعلّ قراءةَ بعضها بين أيديكمُ الساعةَ يمكّنُ من ملاحظة ذلك واستشرافهِ فيه:

“رسالةٌ إلى أبي

أبحثُ عنك يا أبي….”

يُدركُ شاعرنا قسوةَ حيرته بعد فراق أبيه الصادم المزعزع، فتتشتّتُ أفكارهُ ويَحارُ لُبّهُ وجنانه وهو نهبٌ مقسّمٌ لخوالجَ شتّى تعصف به معها قافلةُ تساؤلاتٍ تلسعهُ بجمارها الحارقة، وتعيده الصدمة إلى ماضٍ لم يستوفِ فيه وَطَرَهُ معَ فقيدهِ الذي حالت بينهما جنادلٌ وترابٌ تقيّدهُ في روحهِ وشقائهِ في غُربته القاحلة. تشكّل هذه القصيدة لوحةً تائهةً في تيه الاغتراب الذي استهلّه الشاعر ثمّ ضمّنه معظم نصوص مجموعته، ويبرز تكنيك الاستفهامات والأسئلة التحريريّة المفتوحة ضمن آليّات التعبير عن حالة اغترابٍ قاتمةٍ إجاباتها مدفونةٌ في برزخ التراب، وهذا ما نجده حاضرًا في كثيرٍ من مواضع النصوص، ومثالها الرسائل الثلاث إلى صديق الشاعر عثمان زعبي (ص101) وهي آخر نصوص المجموعة ترتيبًا.

  • آخر أنماط الاغتراب في نصوص المجموعة الاغتراب الثقافيّ، وينأى الفردُ فيه عن ثقافة مجتمعه بثقافته الخاصّة، فلا يتبع العادات والتقاليد والقيم السائدة في المجتمع، وينحو لمخالفة المعايير التي تضبط سلوكيّاته؛ ويترتّب عليه انسلاخه منه واتّباعه وتقليده للغريب والأجنبيّ (زليخة، 2012: 349)، ومثاله من المجموعة نصّ “شُبّاك في سور المستقبل” (ص: 50)، فهو نصٌّ شعريٌّ حكائيٌّ يعتمد صورةً شعريّةً تقارن وتوازن معًا بين ما كان في ذاكرةِ الشاعر في مسقط رأسه، وبين ما يكون في القدس، ونجد ذلك مع حسرةٍ على ما مضى من ثقافة الضيافة والرفادة الكرمليّة التي تظهر للشاعر في رؤاهُ وأحلامه فتعيده إلى الأيّام الخوالي وهو يشهد فيها على حالةٍ لم تعد حاضرةً في هذا الزمان وثقافته العصريّة المتسارعة ولسان حاله يقول (ص: 59):

“حُلُمٌ أتى منبّهًا؟

بعضُ الرؤى دلالةٌ؟

مَواجِعٌ تُكَرَّسُ؟

من ضعفِنا وشوقِنا لما مضى

مَنْ يحرسُ؟

من يحرسُ؟”.

وتساؤله حول هويّة الحارس القادر على حراسة الماضي تُحيله إلى اغترابٍ ثقافيٍّ يمزّق فكره ويشتّته كما هو حال كثيرٍ منّا ممّن عاصر وعاشر الماضي فأكلته الحسرة والندامة عليه وهو حبيس واقعٍ آنيٍّ حاضرٍ لا يزيدنا إلّا غيابًا واغترابًا.

في الواقع، المجموعة المحتفى بها “مزامير لرفيق” حافلةٌ بالتوظيف اللغويّ والبلاغيّ الميسور غير الغامض، ولا تخلو النصوص فيها من عناصرَ واضحةِ الأغراض والدلالة التي تصبّ في صميم الفكرة والصورة والمعنى، فقد استند النصّ إلى وسيلة الفخر حينًا (ص23)، والتضمين حينًا آخر (ص: 22) كما بدا في النصوص الاهتمام بتوظيف جوانبَ بلاغيّةٍ مألوفةٍ تسهم في تأكيد الدلالة وتعميق الأزمة الجوّانيّة في نفس الشاعر وروحه.

ختامًا، فإنّي يا صديقي أسامة، أشكر لك شفافيّتك وجرأتك وقدرتك الكتابة حول ذاتك وأبيك الراحلَ الباقي، رحمه الله وجعله قصيدةً باسمةً تترنّم بها ذاكرتك الماضية والحاضرة والقابلة فتفضي بك إليهِ وهوَ هنالك حيثُ أحبّت له السماء نفسًا مطمئنّةً راضيةً مرضيّةً عنك وعنه.

تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.

شاهد أيضاً

فؤاد نقّارة: في ذكرى الشّاعر مفلح طبعوني

فؤاد نقّارة بقلوب يغمرها الشّجن ويحدوها الوفاء، نحتفي ونخلّد ذكرى قامة إبداعيّة سامقة، وشاعر طوّع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *