د. صفا فرحات: حول المجموعة الشّعريّة “شكّ ويقين” للشّاعر المحامي أسامة حلبي

 

د. صفا فرحات

يحتّم الواجبُ عليّ بداية، تقديمَ خالصِ شكري وامتناني للأخ العزيز المحامي فؤاد نقّارة، ولنادي حيفا الثّقافي، على نشر الثّقافة العربيّة وبخاصّة الفلسطينيّة، في المشهد الثّقافيّ، ليشكّل علامة رقيّ لأمّتنا في خضمّ التّنوّع الحضاريّ العالميّ.

 وللحضور الكريم، أرجو أن تكون المداخلةُ خفيفةَ الوقع على الأسماع والقلوب، راجيا للجميع أمسية ثقافيّة شائقة.

أمّا بعد، سيكون مدار حديثي في هذه الأمسية، حول المجموعة الشّعريّة: شكّ ويقين، أقوال غير مأثورة ونصوص شبهُ ثائرة.

وفي توصيفها نراها تحتوي على مائة وستَّ عشرةَ  مقطوعة، ولم أقل قصيدة، لأنّ  القصيدة في عرف نقّاد الأدب، تتكوّن من سبعة أبيات فصاعدًا، وتتناول عدّة موضوعات في نسيج فنيّ متكامل ومتناسق، من النّسيب إلى وصف الرّحلة، وصولًا إلى المدح أو الهجاء، بينما المقطوعة، أو القطعة أو النُّتفَة، فيصحّ أن تتكوّن من بيتين إلى سبعة أبيات، وتعالج موضوعًا واحدًا، يلحّ على وِجدان وتفكير الشّاعر، فيبرز مكثّفًا ومباشَرًا، دون الحاجة إلى تمهيد، لهذا تأتي بلا مقدّمة وتنتهي باكتمال الفكرة ، هذا لا يعني عدمَ وجود نصوص شعريّة طويلة في هذه المجموعة،  كمحاولة ستكرّر، وإنّي لحائر، ووصايا غير ملزمة لأربعة فصول، وإعادة نظر، إلى آخره من النّصوص الطّويلة، هذا إلى جانب  النّتف المبثوثة في هذه المجموعة كعيون، وصدقًا، وصحوة، وتفاؤل، وبعض الحكمة، وفي كلا النّوعين، يحاول الشّاعر ناجحا، إثارة الشّكّ فيما هو يقينٌ عند البعض الّذين لا يقلّبون القضيّة المطروحة لاستكناه بواطنها، واستجلاء خفاياها، في رغبة منه لتحرير العقول من شوائب التّحجّر الفكريّ، ونفض غبار قولبة مقولات، أراد بعضهم زر عها في الفكر والوجدان، خدمة لأغراضهم، ولطمس الحقائق بغسل الأدمغة.

والشّكّ، حالة تِلقائيّة في ظلّ غياب المعلومات الكافية وفُقدانِ الأدلّة المنطقيّة، والخوفِ من  الممارسات  الممنهجة، لشلّ العقول ولجم الألسنة، وهي الّتي تقود في نهاية المطاف إلى الارتياب والتّقاعس والتّردّد، لكنّه من جهة ثانية فهو أداة للوصول إلى اليقين، بتقديم البديل المبنيّ على المنطق السّليم، وعندها يُفترض تبنّي الفكر المناقض للشكّ، وللتّدليل، يقول الشّاعر  في المقطوعة بعنوان يقين:

من قال إنّ يدًا مغلولة لا تصفّق؟ هل كلّ ما يقوله يائس ستصدّق؟

واليد المغلولة تشير بوضوح إلى القمع والكبت والضّعف كذلك، وهذا تصوير للإنسان فاقد الإرادة، الّذي أريدً له أن يكون في هذا الموقف،  موقف العجز عن المقاومة  وفكّ القيد والأغلال وهو موقف يكون صاحبه سادرًا في الضّعف والعجز والمهانة، هذا هو الشّكّ الّذي يرغب الشّاعر في نفض غباره، لأنّه يوهم الشّريحة الّتي يعنيها الشّاعر بمصداقيّة العجز، أو بأنّ العجز عن اتّخاذ القرار واتّخاذه متساويان، وتساوي النّقيضين المتعارضين هو الشكّ بعينه.

وهنا يأتي الرّأي المناقض ويعلنه الشّاعر مستغربًا: من قال إنّ اليد المغلولة لا تصفّق؟، وهو تساؤل نقديّ، وتحدّ للمنطق السّائد، وهو اليقين الّذي يجب اتّباعه، وهو اليقين الّذي ينفخ في الرّوح قوّة ويكسبها القدرة على التّعبير وتحطيم الخضوع المكره، النّاجم عن الخوف مرضاة للسّلطة القامعة.

وفي النّصّ المعنون بالصّمود، يقول الشّاعر:

في ليلة صيف محمومة، تمطرني عدوّتي بالقنابل، وأمّتي بالتّخاذل، لكنْ أعصابي المكلومة، كاسرة، لا شكّ، هذا ” التّكامل”

تنبثق من هذا المقطع لحظة التّحدّي،  التّحدّي للعدوّ الخارجيّ، ومقاومةُ القيد الدّاخليّ، وتكالبُ كلاهِما على كسر إرادته، وقد شكّلا تكاملًا بالتّقابل بين القنابل والتّخاذل، الأمر الّذي أضفى تكثيفًا شعريًّا، تجسّدت من خلاله مأساة الشّاعر المركّبة، وهذا شكّ يتلبّس حالة الاعتقاد بإمكانيّة هزيمته وتحطيم معنويّاته، فتأتي الحقيقة مدويّة للشّاعر قبل الغير بأنّ أعصابه على الرّغم من كونها مكلومةً، ستكسر بدون شكّ، هذين العدوّين،  وهذا إصرار وصمود من شأنهما كسرُ حاجز الخوف واليأس.

وفي العودة إلى الغلاف، نجد العبارة: أقوال غير مأثورة، ونصوص شبه ثائرة. وتقف عبارة الأقوال غير المأثورة ندًّا شبه ثائر للأقوال المأثورة، وهذه الأخيرة تداولتها الأجيال عبر التأريخ، وتعبّر عن  خلاصة التّجارب العميقة  لأمّة ما، ولتداولها من جيل لآخر، اكتسبت شرعيّتها ومصداقيّتها، وقد يكون التّخاذل المنصوص عليه أعلاه من ضمن هذه الأقوال الّتي يلزم  بعضها بإعادة نظر، لتفادي ضررها المهيمن على بعض المعتقدات الذّاهبة في التّحجّر.

وتتكامل الأقوال غير المأثورة، مع التّركيب، نصوص شبه ثائرة، وهذه تتضمّن احتجاجا ونقدا عميقا للوضع القائم بكلّ مكوّناته السّياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة، لكنّ هذا الاحتجاج، لا يرتقي إلى التّمرّد الكامل المباشر والتّغيير العنيف، وكأنّ الشّاعر يؤثر البقاء في هذه المنطقة الرّماديّة، مستعينا بالرّموز والتّلميحات كاللّيل، والسّجن: انفض جناحيك وانطلق، لا تنتظر السّجن لتكون حرّا، ويأتي هذا الموقف باهتًا مقارنة مع ما صرّح به في صفحة الإهداء، وفيها يخاطب حفيدتَه القادمةَ الجديدةَ إلى دنياه، حاملة بذار المحبّة والأُلفة، فيقول لها: أحبّي الحياة” ليلى” واكبري على مهل، ولكن أعملي العقل، في ما ترين وتسمعين، طعّميه بالجرأة وحفّزيه بالشكّ والأمل ، وتقدّمي بثبات نحو يقينك، واجعلي بالحبّ والمثابرة، لحياتك هدفا ومعنى، واتركي للنّاس حريّة الثّناء والمديح. يندرج هذا القول في إطار الوصيّة، ويصبح قولًا مأثورًا حين يتجاوزُ محيطَهما إلى الملأ، لأنّ من صفات القول المأثور، كما ذكرت سابقّا،  تداولُ الأجيال له عبر التأريخ، ومع هذا فإنّنا نلمح فيه ما  يختلج في نفسه، وما يريدنا أن نؤمن به، أن نتحلّى بالجرأة وأن نتقدّم بثبات نحو اليقين، وهذا بحدّ ذاته، ثورةُ على ما يكبّلنا، ويخمدُ فينا جُذوة العمل لتحقيق الغايات، وهكذا يكون حديثه، وصيّته، إلى حفيدته، معادلًا موضوعيّا لأمّته السّادرة في خمول الخِذلان، المنغمسة في أباطيل الفكر، علّها تنفض عنها غبار الذّلّ، لتصل إلى اليقين السّاطع.

وفي محور آخر من محاور الحديث عمّا جاء في هذه المجموعة، يتعلّق بما جاء في نهاية مقدّمته: شكّي قمر عِملاق، وهو يندرج ضمن الذّائقة الأدبيّة، فيقول: جمعت نصوصي في إطار عمل أدبيّ، لا يهمّني تصنيفه شعرًا أو نثرًا أو دمجًا بينهما، وكلّ ما أرجوه ألّا تُمسَّ جودتُها الفنيّة،  ويأمل الشّاعر بأنّه ابتعد عن النّظم الموزون وعن النّثر المبتذل وعن جانر الشّعارات، وصياغة المناشير السّياسيّة والاجتماعيّة، وبقيت ومؤلّفي هذا في نطاق الأدب.

وفي تعريف مفهوم النّصّ الأدبيّ، لا نماري في حقيقة كونه قطعة من الكتابة، استُخدمت فيها اللّغةُ بطريقة إبداعيّة وجماليّة بقصد التّأثير على المتلقّي، وفي الغالب تعتمد الخيال والابتكار والتّكثيف والتّلميح، وهذا ما نلمحه في ثنايا هذه المجموعة، ففي المقطوعة المعنونة ب: بعض القلوب، يقول: بعض القلوب لا يسعفها كثير من الخمر، وبعضها يسكره قليل من الفرح، فلا تحبِسنّ قلبك في زجاجة”، ويظهر التّكثيف هنا من استخدام اللّغة القليلة، منطلقًا من القول، خير الكلام ما قلّ ودلّ، وهذه اللّغة القليلة نقلت أفكارا متناقضة،  تراوحت بين عبارة، بعض القلوب لا يسعفها كثير من الخمر، وهي تكثّف فكرة اليأس العميق، وبين العبارة: وبعضها يسكره قليل من الفرح، وهي تكثيف  للشّفافيّة الرّوحيّة المتلحّفة بغطاء البهجة العاطفيّة، ثمّ جاء التّكثيف في: لا تحبسنّ قلبك في زجاجة، فهي من جهة زجاجة الخمر، وهي معادل للهروب الماديّ باحتساء الخمرة، ومحكوم عليها بالفشل، ومن جهة ثانية، قد تشير الزّجاجة إلى القيود والانغلاق، أو حتّى العزلةِ

، وتأتي الإشارة هنا، إلى تحرير القلب والبحث عن السّعادة الحقيقيّة من منطلق أنّ المشاعر الرّوحيّة أجلُّ قدرا من الهروب الماديّ.

وفي مجال الحديث عن النّظم الموزون وعمّا تسمّى بقصيدة النّثر، استوقفني ما كتب دكتور شربل داغر في مداخلته  حول الشّعر العربيّ الحديث،  وفي  موضوعة قصيدة النّثر، يذهب إلى أنّها ليست أصيلة في الآداب العربيّة الحديثة، وتسميتها مغلوطة عن التّرجمة الفرنسيّة، والأصحّ أن نسميها القصيدةَ بالنّثر، أو القصيدةَ نثرًا. والرّابط هنا، لهذا الاقتباس هي في محاولة زياد البقاءّ في دائرة الأدب، فليس مهمّا أن تكون القصيدةُ على البحور الخليليّة، أو مندرجةً ضمن نظام التّفعيلة، أو إذا كانت قصيدةً بالنّثر، ما يعوّل عليه هو التّخييل،  والتّخييلُ، هو الطّاقة الدّاخليّة المنتجة للتوّهم أو التّوقّع، والمتّكئةُ على المجاز والاستعارة والكناية والتّشبيه، ويكون إيقاعها داخليّا، يأتي من الكلمة والجملة، وهو إيقاع النّفْس والفكرة، وتعتمد التّكثيف والإيجاز، إضافة إلى الإيحاء والرّمزيّة والصّور الشّعريّة، وهذه كلّها من سمات هذه المجموعة، وللتّدليل سأتناول القصيدة المعنونة بنصّ كافر:

وجعي بيتي، وسمائي حارقة أرضي

أشلاءً أضحى إيماني، شكّي زيت سراجي، بعضي كفّر بعضي

إنّي مجنون لن يُشفى

وطني سجني، عطشي مائي، عيشي موت يتخفّى، يتشفّى، إنّي مكلوم لن يُشفى

بعضي ينكر بعضي، وكلامي لا يُرضي

إنّي مجنون لن يُشفى.

إنْ يأسرْني جند لجوئي، يُضحِ الموتُ المشفى

بعضي يدفن بعضي، لن أدخل حيّا لا!

سجن المنفى

من الملاحظ أنّه نصّ شعريّ مكثّف يعبّر عن حالة من الصّراع الداخليّ العميق، يتداخل فيه الشكّ باليقين بشكل معقّد. فبيته وجعه، وأصبح الألم جزءا من هويّته، وهذا   يقينٌ سلبيّ مبنيّ على المعاناة.

وفي قوله إنّ إيمانه أضحى أشلاءَ وشكّه صار زيتَ سراجه، إنّما يشير إلى تلاشي اليقين بالإيمان ليتحوّل إلى شكّ، فيتفتّت ويصبح أشلاء، وتناقضات الذّات الّتي يحياها الشّاعر بين الشّكّ واليقين، أوصلته إلى درجة التّكفير بالذّات وحتّى إنكارها، وهو صراع داخليّ، تتناقض فيه أجزاء الشّخصيّة الواحدة، لتصلَ إلى درجة التّكفير وإلى إنكارٍ تامٍّ لوجود الآخر.

والقصيدة متراصّة بالصّور التّخييليّة، ومكثّفة إلى أقصى حدود التّكثيف، وتتلاعب باللّغة المعهودة لتَصبُغَها بطابع الشّعريّة، فتنقلها من التّقريريّة، ومن الشّعارات المعلّقة على لافتات الطّريق، إلى أبعادِ النّفوس الملهَمَةِ، موكلة إليها البحثَ عن جماليّاتها في هذه التّراكيب المحرّضة على التّأمّل والتّفكير.

وفي تكرار “بعضي ينكر بعضي” تأكيد لحالة الشّكّ والإنكار المستمرة، وهو شكّ ليس مجرّدَ حالة عابرة، بل هو عمليّةٌ مستمرّة من الهدم الذاتيّ، ممّا يترك الذات في حالة من التشرذم الدائم.

لكنّ النّهاية لا تترك مجالًا للاسترسال في موتيف الهدم الذّاتيّ والتّشرذم، فسرعان ما  ينقلنا الشّاعر إلى حالة اليقين الأكيدة بقوله: إن يأسرني جند لجوئي، إلى قوله: لن أدخل حيّا لا مع علامة التّعجب، سجنَ المنفى، وهذه صورة مكثّفة اختصرت حالة كاملة، أكّدت مصير الشّاعر القاسي في جملة شرط واحدة،

لقد أوصل الشّاعر مرسلَته من خلال صورة شعريّة تعبّر عن رفضه المطلقِ للاستسلام أو النّفي، فبالنسبة له تعادلت الحياة بالأسر أو المنفى بالموت، وهذا تحدّ صارخٌ للقوّة الغاشمة، وتأكيدٌ على أنّ هذا النّصَّ نصٌّ ثائرٌ، وليس شبه ثائر.

أعطيت عافية أخي زياد، ودام عطاؤك على دروب الإبداع، ولتكن كلماتك الشّرارةَ الأولى للخروج من الشّكّ إلى اعتناق اليقين.

30/10/2025

 

تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.

شاهد أيضاً

فؤاد نقّارة: في ذكرى الشّاعر مفلح طبعوني

فؤاد نقّارة بقلوب يغمرها الشّجن ويحدوها الوفاء، نحتفي ونخلّد ذكرى قامة إبداعيّة سامقة، وشاعر طوّع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *