أنطوان شلحت: في تكريم يوسف أبو وردة.. إضاءات سريعة

أنطوان شلحت

يشكّل تكريم يوسف أبو وردة مناسبة من أجل إعادة تأكيد ما حرص هو بنفسه عليه طوال مسيرته الثريّة، وهو أنه لا يمكن أن نفصل المسرح عما هو سياسي ومجتمعي، وذلك بغية التنائي عن غاية حصر الفن في دور الإضحاك والتسلية.

الإضاءة الأولى: باعتقادي أن أهم ما تنطوي عليه هذه الأمسية التكريمية ليوسف أبو وردة فنانًا مسرحيًّا بالأساس (*) أنها تتيح إمكان استعادة تجربته وإجمال مسيرته التي قلّما يُلتفت إليها نظرًا إلى كوننا- بحسب ما أدّعي- من أكثر المجتمعات من ناحية عدم إيلاء التراكم الاهتمام الكافي، وهذا ما تعكسه حقيقة أن كل رعيل يبدأ ممارسته الفنيّة والإبداعية عمومًا من خلال محاولة الإيحاء بأن الكلّ يبدأ من عنده، من لحظة ظهوره فحسب.

الإضاءة الثانية: يعتبر الرعيل الذي ينتمي يوسف أبو وردة إليه، على صعيد سيرورة تطوّر المسرح في مجتمعنا الفلسطيني في الداخل، في رأيي، أحد أبرز ثوابت الحداثة العربية المتمثلة بالأساس في إرادة المعرفة وإرادة التغيير. فانطلاقة هذا الرعيل تعكس تفاعلًا مع مناخات كانت سائدة في سبعينيات القرن الماضي، وكانت ألوان أعماله عابقة برائحة التراث والأصالة، وتَتَكَيَّف وتُكيِّف الحداثة لصالح مشروع نهضوي. وكان هذا الرعيل يميّز بين حداثة تتأسَّس على رؤيةٍ عقلانيةٍ نقديةٍ، وبين حداثة لا تقصد أكثر من إتباع جهازها الأوروبي ومآزقه الوجودية. بكلمات أخرى كان هذا الرعيل منفتحًا بما يكفي على العالم، إنما من دون أن يفقد خصوصيته الثقافية.

الإضاءة الثالثة: في مناسبة هذه الأمسية أمكنني التواصل مع جدول الأعمال الفنية، ولا سيما المسرحية، التي كان ليوسف أبو وردة ضلع رئيس في تجسيدها. والحق أن هذه الأرقام تُظهر غنًى كمّيًا لأول وهلة. ومع ذلك، فإن التحليل النوعي يكشف عما يلي:

أ- مراعاة في التوازن؛

ب- قوّة في التنوّع؛

ج- عدم تكرار في الموضوعات؛

د- حضور جليّ للمغامرة الفنية.

ويبقى الدرس الأساسي الذي يمكن استخلاصه من هذه الملاحظة هو أن المنجز الفنيّ لا يُقاس فقط بعدد الأعمال المنتجة، بل بتوزيعها، وتنوعها، وجغرافيتها، وبقدرتها على مساءلة الحاضر واستشراف المستقبل.

الإضاءة الرابعة: إن أهم إرث مسرحي يمكن أن نستشفه من مسيرة يوسف أبو وردة هو: ربط المسرح بالواقع، واقتحام رهانات تجريبية فنية جديدة من جهة.

ومن جهة ثانية، أجد لزامًا عليّ أن أحاول إجمال هذا الإرث على مسامعكم بما يسعف في تغذية التجارب المسرحية الراهنة. وفي هذا الشأن من المهم التنويه بأن فترة تولي يوسف إدارة “المسرح العربي في البلاد” الذي أسمي لاحقًا “مسرح الميدان” شهدت تمظهرات لما قد يسميه النقاد والباحثون “المسرح الكلّي” الذي تلتحم فيه كل أشكال الفن وأجناسه من حوار وموسيقى ومن تعبير جسدي… إلخ. وكان كل شكل أو عنصر يشتبك مع الآخر، يجادله، ويمكن القول إنه يكمله وصولًا إلى المُنجز الفني. ومن جهة ثالثة، هناك تشديد على تعبير الجسد لكون هذا الأخير هو سيّد الموقف على خشبة المسرح.

الإضاءة الخامسة: يشكّل تكريم يوسف أبو وردة مناسبة من أجل إعادة تأكيد ما حرص هو بنفسه عليه طوال مسيرته الثريّة، وهو أنه لا يمكن أن نفصل المسرح عما هو سياسي ومجتمعي، وذلك بغية التنائي عن غاية حصر الفن في دور الإضحاك والتسلية والذي يعتبر دوره الثانوي، في اعتقادي. لا يزال الدور الرئيسي للمسرح كامنًا في إثارة السؤال من منظور النقد لتأجيج رغبة تغيير ما بالوسع تغييره. ومثل هذا الدور كان ملازمًا ليوسف بموازاة نشاطه المسرحي، عبر إثارة العديد من الأسئلة والإشكاليات المرتبطة بغاية المسرح الفلسطيني هنا في الداخل، وفي مقدمتها سؤال الهوية، وسؤال التجدّد الجماليّ، وسؤال الجمهور، وسؤال الاستقلالية، وسؤال العلاقة بين المخرج والمؤلف، وغيرها من الأسئلة. والحقّ أن هذه الأسئلة، كما توحي تجربة يوسف، لا تُطرح بوصفها استنتاجات فقط بل أيضًا كانت ملازمة ليوسف ولا تزال على مدار تجربته في العمل المسرحي والتي لم تقتصر على التمثيل فقط، بل تعدّتها إلى الإخراج والإنتاج. وهو في كل ذلك عمل بدأب على كشف ذاته، وما لها من دور في المسرح، وترك فيه بصمات ستظل تتصادى وقتًا طويلًا.

  • نص الكلمة التي ألقيت في الأمسية التكريمية الخاصة التي أقامها نادي حيفا الثقافي للفنان يوسف أبو وردة، يوم 11 أيلول/ سبتمبر 2025.

تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.

شاهد أيضاً

رشيد عبد الرّحمن النّجاب: سَـفـَرْ بـــرْلِك

 رشيد عبد الرحمن النجاب يتوشح غلاف الكتاب بلون مميز أراه تكرر في كتب أخرى لنفس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *