محمود ميلود غرافي: صيّاد.. سمكة وصنّارة..وكتاب

محمود ميلود غرافي
عندما زرت فلسطين رفقة الصديق الروائي حبيب سروري شهرين فقط قبل اندلاع طوفان الأقصى على هامش الملتقى السادس للرواية العربية في رام الله، كانت محطتنا الأولى هي حيفا. هناك التقينا بالعديد من الأدباء والمثقفين الفلسطينيين واطّلعنا عن قرب عن الأنشطة التي يقوم بها نادي حيفا الثقافي في التعريف بالثقافة العربية والأدب الفلسطيني في الداخل خاصة. وكان رئيس النادي الأديب والمحامي فؤاد نقّارة هو الذي تكلف مدة أسبوع تقريبا بنقلنا من حيفا إلى مدن فلسطينية أخرى. وكان له الفضل الكبير في لعب دور المرشد بحيث أطلعنا على تاريخ هذه المدن ومعالمها التراثية والثقافية والجغرافية وعلى رموزها الثقافية والفنية خاصة في عكا وحيفا ويافا والناصرة.
كنا نقيم في نُزل جميلٍ يُشرف على مدينة حيفا لصاحبه الفلسطيني أبي تامر. وكان الصديق فؤاد نقارة يأتي كل صباح ليأخذنا من النزل لزيارة مناطق أخرى خارج حيفا. كان يأتي في تمام الساعة السابعة. وهو التوقيت الذي كان يبدو لنا، حبيب سروري وأنا، مبكرا جدا لأننا كنا نسهر نحن الثلاثة إلى وقت متأخر من الليل. وبينما كنا نحن الإثنان في السيارة نتثاءب من شدة قلة النوم، كان الصديق فؤاد نقارة في كامل نشاطه الفيزيقي والذهني. فسألناه ذات صباح : من أين يأتيك هل هذا النشاط والحيوية وأنت لم تَنمْ أكثر منا؟ فأجاب: الصيد يا أصدقاء. الصيد ! ثم أسرّ لنا أنه قبل أن يأتي لأخذنا من الفندق، يقضي ساعة أو أكثر في صيد الأسماك على شاطئ حيفا. ونقَلنا إلى عين المكان ساردا علينا بشغف لم أر مثله عند أحد من قبل بعض حكاياته مع الصيد.
وها هو يصدر كتابا في موضوع الصيد بعنوان ثلاثي العناصر : سمكة، صياد وصنارة. سيتضح من خلال محتوى الكتاب أن شغف الكاتب بالصيد وعدم فصله بين السمكة والصياد والصنارة يضفي على العنوان طابعا قدسيا يشبه إلى حد ما الأقانيم الثلاثة في التراث المسيحي للكاتب. فبدءا من مقدمة الكتاب، يحيطنا الكاتب علما أن وراء هذا الشغف بالبحر والصيد تراث وتقاليد ورثها عن عائلته : “عشت طفولتي في مدينة عكا، كان والدي يحرص على اصطحابنا أنا وإخوتي إلى البحر (…) علمني والدي فن الصيد بصبر وحنان شارحا لي أسرار البحر العجيبة وكيفية قراءة طبيعته وفهمه، كان ينتظر بصبر لحظة سحب الصنارة، مشاركا إياي فرحة الصيد عندما تثمر جهوده” (ص. 10).هكذا صارت “كل موجة وكل قطرة ماء قصيدة تغنّى، وكل صوت للموج لحن يطرب الروح ويسكن القلب” (ص. 11)
يجمع الكتاب بين معارف في مجال الصيد البحري وعوالمه الباطنية من مختلف أنواع الأسماك وانطباعات وتجارب ذاتية رصدها فؤاد نقارة في حكايات ونوادر مستقاة من تجربته الخاصة في عرض بحر حيفا. وكما جاء في مقدمة الكتاب، فإن الكاتب يتوخى تقريب القارئ من هذا “العالم الساحر” آملا أن يكون في كل تجربة شخصية عاشها الكاتب صيادا ” عبرة تستقى”. وأولى هذه العبر حسب ما جاء في مقدمة الكتاب هو أن يحس الإنسان أمام عالم البحر وسحره وغموضه وكنوزه أنه “جزء صغير من هذا الكون الفسيح” وأن عليه أن يعيش “في وئام مع الطبيعة” وأن يحافظ عليها.
ينقسم الكتاب إلى قسمين كبيرين : الأول عنوانه : حكايات من شاطئ بعيد. يعود فيه الكاتب إلى ذكريات له ونوادر وأحداث مميزة عاشها في البحر وعلى ضفافه أهمها بعض المغامرات المحفوفة بالمخاطر التي خرج منها الكاتب/الصياد بـ “دروس في احترام البحر” وأخرى “في الغرور” و “الإهمال”، وبين هذا وذاك نقرأ حكايات عن الحظ ورحلات صيد “مباركة”.
أما القسم الثاني، وهو الأطول، فإن الكاتب خصصه لـ “أسماك وأحياء البحر الأبيض المتوسط” يرصد فيه بالصور الحية المأخوذة من ألبومه، مختلف أنواع الأسماك التي وقعت بين يديه خلال تجاربه في الصيد في سواحل حيفا وعكا. ويعد هذا القسم مرجعا حقيقيا لمن يريد معرفة مختلف أنواع الأسماك وأسمائها وحجمها وألوانها مُعزّزةً بصُوَر نادرة.
ولعل الرسالة المركزية التي تقرأ بين سطور الكتاب هو الْتصاق الفلسطيني الشديد بمحيطه وبيئته واعتزازه بما تزخر به فلسطين من كنوز. لقد بيّن الكاتب في مقدمة الكتاب كيف ورث تجربة الصيد من أبيه كما يرث الفلسطيني المتجذر في أرضه اللغةَ والغناء والشعر والموسيقى وشجر الزيتون. الصيد الذي يتحدث عنه الكاتب بشغف ليس مجال تسلية، بل ممارسة لنشاط تنصهر فيه الهواية بالأرض والبحر والتاريخ والجغرافيا. إنه شكل من أشكال مقاومة الفلسطيني لفعل الإقصاء والتهجير والمحو. فلا عجب أن يكون فؤاد نقارة في الوقت نفسه صيادا ماهرا ومحاميا وأديبا وفاعلا جمعويا يربط حيفا وعكا برام الله والخليل ونابلس والقدس. هكذا على كل حال ما وقفت عليه شخصيا وأنا أراه يتنقل بين حيفا والضفة الغربية دون كلل ليمد يد العون لرفاقه في الأنشطة الثقافية التي تقام في فلسطين المحتلة.
صدر الكتاب في 183 صفحة عن دار الشامل للنشر والتوزيع بشراكة مع نادي حيفا الثقافي الذي يترأسه الكاتب والذي يعد علامة ثقافية وفكرية لامعة في المشهد الثقافي العربي الفلسطيني في حيفا.
تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.