علا عويضة: المكان حين يصير وعيًا.. حيفا في شعر محمود درويش

علا عويضة 

 

المكان كائنٌ يتنفّس فينا؛ نغادره بأجسادنا، فيُقيم في أعماقنا كجرحٍ أنيق، كحنينٍ يعرف طريقه دون خرائط. نمضي عنه، لكنّه لا يمضي عنّا؛ يظلّ ظلًّا خفيًّا يرافق الوعي منذ لحظته الأولى. إنّه ندبةٌ صامتة لا تُرى، غير أنّها توجع كلّما لامستها الذاكرة.

لهذا لا يكون المكان ثابتًا ولا مكتملًا؛ إنّه علاقة في حركةٍ دائمة بين الذّات والعالم، بين الحضور والغياب، بين ما نلمسه وما نفقده. ومن هذا التوتر بالذّات يجد الشِّعر فيه ملاذه الأعمق، وتغدو القصيدة شكلا من أشكال التفكير في المكان حين تعجز اللّغة المفهوميّة عن احتوائه.

هكذا يغدو المكان مجالًا بلاغيًّا بقدر ما هو أفقٌ وجوديّ، يُعاد تشكيله في القول ذاته. فاللغة لا تُسمّي المكان بقدر ما تُجرِّبه، ولا تمتلكه حين تنطقه، بل تنكشف فيه على ذاتها. وفي هذا التداخل الخفيّ بين القول والوجود، تلتقي الفلسفة بالشِّعر؛ فتغدو الاستعارة أداةَ معرفةٍ لا زينةً لغويّة، ويغدو المجاز طريقةً في التفكير لا انحرافًا عن الحقيقة.

من هذا التداخل تنبثق تجربة محمود درويش؛ فالمكان عنده جوهر للمعنى، كائنٌ يُخاطَب، ذاكرةٌ تُستعاد وجرحٌ مفتوح على التأمّل. يتشكّل المكان في شعره بوصفه بنيةً دلاليّة وأنطولوجية تتقاطع فيها الذّاكرة الفردية مع التاريخ الجمعي، ويشتبك الوجود مع سؤال الهوية. لذلك لا يُقرأ المكان في شعره قراءةً توصيفية أو نوستالجية، بل قراءةً تأويلية ترى فيه علاقةً وجودية يُقاس بها الانتماء ويُعاد عبرها تعريف الذّات.

تنهض فلسفة المكان في شعر محمود درويش على جدليّة الدّاخل والخارج: الداخل وطنٌ متخيَّل، مخزون في الذّاكرة، يُعاد بناؤه داخل اللّغة؛ أمّا الخارج فواقعٌ قسريّ يُفرض على الجسد ولا يستقرّ في الروح. وفي هذه الجدليّة، لا يكون الخروج انتقالًا مكانيًا فحسب، بل تحوّلًا في الوجود ذاته، حيث يصبح الوطن حالةً ذهنيّة، ويغدو المنفى وضعًا وجوديًّا دائمًا. وهكذا يتحوّل المكان إلى جرحٍ مفتوحٍ وسؤالٍ لا يهدأ، ويُستعاد بوصفه توتّرًا دائمًا بين الحضور والغياب.

ضمن هذا الأفق، تبرز حيفا بوصفها أحد أكثر الأمكنة كثافةً رمزية في شعر درويش؛ المدينة التي تشكّل فيها وعيه المبكر. ولا تُستعاد حيفا في القصيدة بوصفها مدينةً مكتملة المعالم، بل في هيئة شذراتٍ مكانيّة: البحر، جبل الكرمل، الميناء، النبات الفلسطيني؛ عناصر تتجاور داخل النّصّ وتنتظم في نسيجٍ شعريّ يعيد تعريف الانتماء بوصفه فعل وعي ومقاومة، لا مجرّد إقامة فيزيائيّة.

ويستحضر درويش حيفا من بوابة الحواسّ، حيث تتقدّم الذّاكرة الجسديّة على الرؤية البصريّة. فحيفا، في عدّة نصوص، لا تُرى بقدر ما تُحَسّ؛ تُستعاد أثرًا لا صورة، وحضورًا حسيًا يتسلّل إلى اللّغة قبل أن يتشكّل في المشهد. يقول في كتابه ” في حضرة الغياب” (ص 90):

“حيفا رائحة الصّنوبر والشّراشف المجعلكة”

هنا لا تُعرَّف المدينة بمعالمها، بل بأثرها الحسّي؛ بما يُلمَس ويُشمّ. إنّه انزياحٌ يبدّل وظيفة اللّغة ويؤسّس لفهم مغاير للمكان بوصفه تجربةً وجوديّة لا مشهدًا مرئيًا.

ويبلغ سؤال المكان ذروته حين يُقاس بالوجود نفسه، كما في قوله: (الجدارية):

“لا هنا إلا هناك. ولا

هناك سوى هنا”

لا تسعى هذه العبارة إلى حلّ التناقض بين “هنا” و”هناك”، بل تُقيم فيه، وتحوّله إلى بِنية هوية مفتوحة، تُبقي الأصل حاضرًا من دون أن تمنحه استقرارًا نهائيًا. في هذا السياق، يتحوّل المكان من نقطة وصول إلى حالة توتّر دائم، ويغدو السؤال: أين أنا؟ متداخلًا مع سؤال: مَن أنا؟، بل مع السؤال الأعمق: هل أكون؟

يتصاعد هذا القلق حين يسأل الشاعر نفسه سرًّا (في كتابه “في حضرة الغياب” ص 76): “لكن، لماذا نزلتَ عن الكرمل؟”. ثمّ تتوالد الأسئلة على الطريق الساحليّ: “ماذا لو بقيتُ في حيفا؟ ماذا لو بقيتُ في أيّ مكان؟ ماذا لو كنتُ؟ ماذا لو لم أكن.” (ن.م.، 156). هذه الأسئلة المتتابعة إنّما تمثّل انزلاقًا واعيًا من الجغرافيا إلى الأنطولوجيا، انتقالا دلاليًّا من المكان كحيّز إلى الوجود بوصفه إشكالا.

وتتجلّى القيمة الجماليّة لحيفا في صورٍ بالغة الكثافة، منها قوله:

“قطرةُ ماء على ريش قُبَّرة في حجارة حيفا

تعادل كلَّ البِحارِ”.

هنا تُلغى المقاييس الكمّية لصالح كثافة المعنى، حيث يُختزل المكان في أثر دقيق يحمل قيمة كونيّة. فحيفا ليست مساحةً، بل كثافة؛ ليست اتساعًا، بل عمقًا.

في قصيدته “أنتَ، منذ الآن، أنت”، يبلغ هذا التصوّر ذروة نضجه. فمنذ المشهد الافتتاحي الذي يجمع بين جبل الكرمل والبحر، تتأسّس ثنائية بين الرسوخ والانفتاح، وبين الثقل والخفّة، في توازن هشّ يعكس وضع الذّات نفسها. في هذا التوازن الدقيق، تتشكّل فلسفة الوجود عند درويش؛ فالوجود ليس استقرارًا، بل هو حركةٌ موزونة، مشيٌ واعٍ على حدّ التناقض. وهنا تغدو الأرض حارسًا أنطولوجيًّا.

وتنعطف القصيدة نحو التفاصيل الدقيقة: المقعد الحجري، شجرة التفاح، صنوبرة الكرمل، لتؤكّد أنّ الذّاكرة المكانيّة لا تُبنى من الفضاء الواسع، بل من مواضع صغيرة تحتفظ بأثر الجسد والجلوس والانتظار. عند هذه العتبة، تنهض الطبيعة الحيفاوية بوظيفةٍ بلاغيّةٍ مركزيّةٍ؛ إذ يحضر البحر استعارةً للأفق المؤجَّل، اتساعًا بصريًّا يقابله انسداد واقعيّ، مولِّدًا توتّرًا دائمًا بين الإمكان والمنع. أمّا جبل الكرمل، فيمثّل بنيةً عمودية للرؤية، تقيمُ علاقة جدليّة بين العلوّ والانكشاف من جهةٍ، والانحدار والاصطدام بثقل التاريخ من جهةٍ أخرى.

وتبلغ التجربة ذروتها حين تتحوّل “حديقة الأم” إلى مركز دلالي في القصيدة. فالأم لا تحضر هنا بوصفها ذاكرةً عاطفية فحسب، بل بوصفها أصلًا رمزيًا تتقاطع فيه الأرض والطفولة والانتماء الأوّل. ومن هذا الموضع الحميميّ، تتحوّل الخطى السّابقة على الكرمل إلى طاقةٍ موجَّهة للحاضر، بحيث يغدو الزمن نفسه عنصرًا تابعًا للمكان.

وتنكشف المدينة على مفارقة أخلاقية، حين يُعترف للغرباء بحقّ حبّها؛ يقول:

“حيفا! يحقّ للغرباء أن يحبُّوكِ، وأن ينافسوني

على ما فيك، وأن ينسوا بلادهم في

نواحيك، من فرط ما أنت حمامة تبني عُشَّها

على أنف غزال!”

 إنّ هذا الاعتراف لا يخلو من مرارة، إذ يكشف عن مأزق الفلسطيني الذي يُزاحَم على مدينته في العاطفة كما في السياسة. وتبلغ هذه المفارقة ذروتها في صورة “الحمامة التي تبني عشّها على أنف غزال”، حيث يتكثّف المكان في توازن مهدَّد بين السّكينة والخطر، وبين الجمال والهشاشة.

وفي الذروة، يتحوّل المكان إلى ذاتٍ ناطقة تمنح الاعتراف: “حيفا تقول لي: أنتَ، منذ الآن، أنت”؛ فالمكان هنا فاعلٌ أنطولوجي يعيد تسمية الشاعر ويمنحه شرعية الوجود. إنّها لحظة تطابق وجودي، تتحوّل فيها اللّغة إلى فعل تثبيت للهوية في مواجهة النفي.

وعليه، تمثّل حيفا في شعر محمود درويش فضاءً تتقاطع فيه أسئلة الهوية والذاكرة والمنفى والعدالة. فالقصيدة لا تصف المكان، بل تعيد إنتاجه بوصفه خطابًا ثقافيًا مقاومًا. وهكذا، يقدّم شعر درويش تفكيرًا شعريًا في الوجود لا يقلّ عمقًا عن التفكّر الفلسفي، وإن اختلف عنه في الوسيط والأدوات.

حين تضيق الجغرافيا، تتّسع اللغة؛ وحين يُغلق المكان أبوابه، تفتح القصيدة نوافذها، فتغدو وطنًا مؤقّتًا للروح، وبيتًا لغويًّا مفتوحًا على الرّيح؛ فالشِّعر قادرٌ على أن يمنح المكان اسمًا، صوتًا، وحقًّا في البقاء داخل الذّاكرة.

تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.

شاهد أيضاً

صباح بشير: “كأنّي لم أذهب بعيدا”.. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

  صباح بشير   كتاب “كأنّي لم أذهب بعيدا” للكاتب رجا زعاترة، الصّادر في (288) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *