د. صالح عبّود: قراءة في دراسة ناجي ظاهر: “قراءات ومراجعات: نظرات في التجربة الأدبيّة”

 

 

 

 

د. صالح عبّود

قراءة في دراسة ناجي ظاهر: “قراءات ومراجعات: نظرات في التجربة الأدبيّة”

نادي حيفا الثقافيّ – 13.11.2025

 

أظْهرْت حبًّا للرواية ناصرًا      يا ناجي الإبْداع حرْفًا ظاهرًا

كمْ قدْ قرأْت لترْتوي منْ منْهلٍ   أدبًا ونصًّا في بحارك هادرًا

ألْزمْتنا حبًّا لنزهة عارفٍ        في جادة الآداب نلْمح قادرًا

أنْجزْت مشْروع الكتابة تنْتمي   فيه إلى سبل المفازة عابرًا

ألْقى العصا بسبيله متيمّمًا        شرْقًا يتيمًا لا يكفّ مسافرًا

يا واهب الكلمات فينا منْحةً       أنْعمْ بناجي مبْطئًا ومبادرًا

رجلًا حفيظًا يتّقي بعلومه       غزْو الجهالة عاكفًا ومثابرًا

كرّمْت في نادٍ بحيْفا تلْتقي       أهْلًا أحبّوا أنْ تطلّ مفاخرًا

في شهر تشْرينٍ وحيْفا موْعدٌ للنّاجي فيه أنْ يكون مكاثرًا

بدراسةٍ نقْديّةٍ جمعتْ بها  أصْوات ناجي مضْمرًا ومجاهرًا

فالله أدْعو أنْ يديمك مرْسلًا  برسالة الإبْداع تبْدع حاضرًا

السيّدات والسادة،

يتشكّل كوْن كتابك أيّها الناجي الظاهر من ثلاثة أبوابٍ متّصلةٍ بالكتابة الإبداعيّة والأدب: نثره ثمّ شعره، وقد أظهرْت ذلك بيّنًا في تظهير دراستك “قراءاتٌ ومراجعاتٌ: نظراتٌ في التجربة الأدبيّة”، 

ومثل هذا العنوان يكسب الكتاب دورًا وظيفيًّا دقيقًا؛ فهو يعد القارئ بطائفةٍ من الدراسات والتحليلات النقديّة والقراءات والمراجعات التي لا تقف عند ضفاف الوصف وحسبْ، بل تتعمّق في تقديم رؤًى وتأمّلاتٍ فكريّةٍ غارقةٍ ممحّصةٍ لطبيعة الإنتاج الأدبيّ وأشكاله، بالاستناد إلى مفهوم التجربة الأدبيّة التي حاولْت يا ناجي جاهدًا في كثيرٍ من متون الدراسة الوقوف عنده وتبيّن مواضعاته وتعريفه من خلال جوانب ترتبط بالكاتب من جهةٍ والنصّ والمتلقّي من جهةٍ أخرى.

الواقع أنّ متن الكتاب ومادّته نقديّةٌ في كلّ مراميها وغاياتها، والقارئ الحصيف فيها ينصرف منها إلى فهمٍ أبعد غورًا لمفاهيم أدبيّةٍ حسّيّةٍ وأدائيّةٍ متنوّعةٍ تناولها كتابك الحافل بكثيرٍ من مداولاتٍ وانطباعاتٍ موضوعيّةٍ حينًا وذاتيّةٍ نقديّةٍ حينًا آخر، والجميل في أنّك قد ارتطمت وتصادمت مع كثيرٍ من ملامح واقعنا الأدبيّ بشاكلةٍ ناعمةٍ غير خشنةٍ ولا جلفةٍ كي تبرق من خلالها لنا كمتلقّين عصارة ما أنت عليه من مقارباتٍ وتبصراتٍ نقديّةٍ إزاء ما نشهده ونسمعه في كلّ نادٍ ومنتدًى ثقافيٍّ وأدبيٍّ وفكريٍّ في السنوات الأخيرة في البلاد، ولعلّ ما التفتّ إليه في الصحيفة الحادية عشر من كتابك، حين رصدْت الكاتب الروائيّ الإيطاليّ ألبرتو مورافيا، لشاهدٌ من طائفة الشواهد الدالّة على انتقالك من البعيد إلى القريب ومن العامّ للخاصّ، فقد جاء في سياقه ما أقتبسه الآن من كتابك حين قلت معرّضًا بكتّابٍ تعرفهم ونعرفهم في محيطنا الأدبيّ المحلّيّ: “إنّ ما يلفت النظر في تجربة هذا الكاتب المتألّق (الإيطاليّ ألبرتو مورافيا)، حتّى أيّامنا الجارية، برواياته ومسرحيّاته وبالأفلام التي اقتبست عنها أيضًا، هو أنّه لا يبذل جلّ وقته في التسويق لأعماله الروائيّة، كما يفعل الكثيرون من الكتّاب في فترتنا الراهنة، وإنّما هو، كما يقول، يبذل تسعين بالمائة في الكتابة وعشرةً في المائة فقط بالتسويق، أمّا معظم كتّاب فترتنا الملتبسة الجارية، فإنّهم كما يتّضح ممّا يكتب وينشر عنهم، يبذلون مجهود عشرة بالمائة في الإبداع الكتابيّ، وتسعين بالمائة في التسويق، الأمر الذي يفرض سؤالًا جوهريًّا ومركّبًا حول أهمّيّة ما يكتب وينشر اليوم، أو بالأحرى عدم أهمّيّته. فهلّا نتّعظ؟… ونتعلّم درسًا في الكتابة الروائيّة وتسويقها من هذا الكاتب الفذّ؟.. أرجو”. إلى هنا اقتباسنا ممّا خططتْه في كتابك، فجاء مدلّلًا على لغتك وتحريرك وأسلوبك في الكتابة النقديّة فيه، وقد اسبطنت ذلك تارةً وجهرت بهتارةً أخرى، كما هو حالك في لوحتك الماتعة “الكاتب الكسول” من خلال تقويمك للطيّب صالح وجهوده الروائيّة الجليلة (ص: 31)، فشكرًا لك على تلك الشفافيّة الظاهريّة التي تواري غضبك غير الناجي منك يا أيّها الناجي.

لأنّني أعرفك معرفةً غير حديثةٍ ولا ضحلةٍ، ولأنّني موقنٌ أنّك مثقّفٌ واسع الثقافة حادّ التعصّب للأدب الرفيع غير الرقيع، فإنّني كنت أرغب بمزيدٍ من التحليل النقديّ ولا سيّما في باب الكتاب الأوّل، الذي حشدته حشدًا وأنت تراجع عبر لوحاتٍ قلميّةٍ نقديّةٍ رشيقةٍ كثيرًا من التفاصيل الأدبيّة في عالم الرواية الإنسانيّة والعربيّة على حدٍّ غير سواء، فهنالك تركتنا أمام مخاض ما تحصّلته بعد قراءاتٍ شكّلتْ شريطًا من عمرك الباقي، فكيف لك أن تفعل هذا بنا، فتتركنا نهبًا للفضول والاستزادة من معين سيرينيٍّ نصراويٍّ فلسطينيٍّ كتب ونذر نفسه للكتابة والأدب!

لعلّي لا أكشف سرًّا يا أستاذنا الناجي، أنّني وأنا أحبّر وأزوّر هذه الأوراق بعد قراءتي دراستك المحتفى بإشهارها الليلة، كنت قد تذكّرت ما أنشده شاعرنا ناصيف اليازجيّ فتمثّلته فيك وفي مشروعك الأدبيّ الثقافيّ الرصين الهادف بكلّ هدوءٍ ودون أيّ جلبةٍ، كما يحلو لكثرةٍ منّا نحن معشر الأدباء والكتّاب، فإن أذنت لي أنت والحاضرين المكرّمين في هذه الأمسيّة الحيفاويّة الخميسيّة القشيبة الدافئة بنسائم بهائكم جميعًا، أن أذكّركم بما نظمه اليازجيّ فوجدته فيك كاملًا غير منقوصٍ إذ قال: 

لعمْرك ليس فوق الأرض باق       ولا ممّا قضاه الله واق

وما للمرْء حظٌ غير قوتٍ           وثوْبٍ فوقه عقْد النّطاق

وأخسر ما يضيع العمر فيه      فضول المال تجمع للرّفاق

وأفضل ما اشتغلْت به كتابٌ          جليلٌ نفعه حلو المذاق

وعشرة حاذقٍ فطنٍ حكيمٍ           يفيدك من معانيه الدّقاق

هناك المجد ينهض من خمولٍ    بصاحبه إلى أعلى الطّباق

والعود محمودٌ إلى كتابنا المحتفى به ومؤلّفه الناجي القدير،

السيّدات والسادة

سأقف في حدود تناولي كتابنا المحتفى بإشهاره عند حدود الباب الأوّل فقط، لا لشيءٍ إلّا لأنّ الوقوف عند كامل ما ورد في أبواب الكتاب كلّها؛ أمرٌ عسيرٌ لا يتحقّق في عجالةٍ ومرورٍ كريمٍ كالذي نطيقه في مثل هذا المحفل، ولعلّي أعدل فأترك الحديث عنه موسّعًا من خلال مقالةٍ سأجتهد في تأليفها ونشرها؛ حتّى أستوفي فيها ما قصّرت فيه الآن.

في الحقيقة، ينطوي الباب الأوّل في الكتاب على لوحاتٍ نقديّةٌٍ مقتضبةٍ تحمل رسائل ومغازٍ غير مضمرةٍ، وتشكّل في هيأتها دليلًا نقديًّا وكشّافًا لمنتخباتٍ من التجربة الإنسانيّة في الأدب الخالد.

أبرز ما يلاحظه المتنزّه بين أزقّة الكتاب هو العرض الانطباعيّ للتجربة الأدبيّة لدى كثيرٍ من الروائيّين العالميّين والعرب، فرغم استئناس الكاتب بآراء نقديّةٍ نظريّةٍ ذات مرجعيّةٍ معتبرةٍ، فإنّ جوهر الطرح المهيمن في النصوص، والذي يأتي غالبًا على شكل عروضٍ انطباعيّةٍ للأعمال الأدبيّة محلّ المدارسة فيها، يتقدّمه تركيزٌ على شخصيّة المبدع والكاتب للتجربة الأدبيّة أوّلًا، وذلك من خلال ترجمةٍ يسيرةٍ مقتضبةٍ له أو لها، يتبعه تسليطٌ ضوئيٌّ كاشفٌ للشخصيّة المحوريّة في الأعمال الروائيّة المنتقاة، مع أنّ كلّ ذلك أو بعضه مرهونٌ بطبيعة الحال بتوصيفٍ ذاتيٍّ مخْتزلٍ ومختزلٍ للفكرة المركزيّة للرواية محلّ العناية والدراسة والتجربة الأدبيّة العالقة فيها.

ليس من النافل أنّك قد اخترت أسلوبًا موحّدًا لتلك اللوحات النقديّة المركّزة التي تخلو من أيّ حشوٍ أو ترهّلٍ زائدٍ، وما أقرب ما دوّنته فيها إلى منظومة الفنقلة المعهودة في خطاب العرب الكلاسيكيّ، إذ عرضت تساؤلاتٍ أتبعْتها بإجاباتٍ تقول فيها رأيك متورّكًا فيها على ما قرأته ووعيْته وانطوت عليه جوارحك ومذاهبك في التجربة الأدبيّة، فكيف لا نذكر ونذكّر أنّك كاتبٌ وقاصٌّ قد أخذت ممّن سلف وأورثت لمن خلف، فجاء في كثيرٍ من لوحاتك تلك رسمٌ بريشة الكاتب والقاصّ ناجي ظاهر، والذي تأثّر بمذهبه في التجربة الأدبيّة شخصيًّا، فلمْ يتهاون في عرضه ما عرضه متأثّرًا بوعيه الأنويّ المتيقّظ لكلّ معطًى وظّفه في تناوله النقديّ.

من الحريّ بنا الالتفات إلى إشارات الكاتب لكثيرٍ من القضايا اللافتة والموجّهات الهامّة في خضمّ مكشافاته في متن الكتاب وبابه الأوّل، وذلك منسحبٌ على البابيْن اللاحقيْن أيضًا، ومنها ذلك التصريح المتكرّر بأهمّيّة التنبّه للشخصيّة المركزيّة في النصّ وتتبّعها بصفتها بوصلة العمل والحبكة وبعدًا مفصليًّا في التجربة الأدبيّة عند كبار الروائيّين عجمًا وعربًا، وعرضه للفرق الجوهريّ بين الشخصيّة الروائيّة والشخصيّة الحقيقيّة، وتلك الإجمالات التي ذيّل بها معظم لوحاته النقديّة فأضفت على مادّة الكتاب برمّتها منهجًا واعيًا ميسّرًا ومحدّدًا للغاية والوسيلة معًا.

السيّدات والسادة،

لقد برهنت تداعيات الكاتب في لوحاته النقديّة في الباب الأوّل من الكتاب أنّنا أمام كاتبٍ موسوعيٍّ يعرف الكثير عن كلّ شيءٍ يعرفه، فهو المطّلع بثقةٍ وصدقيّةٍ موثوقةٍ على الأدب الروائيّ الإنسانيّ على اختلاف مشاربه وأنساقه في مراحله المتتابعة المختلفة.

لم تخل لوحاتك النقديّة من ذائقةٍ ذاتيّةٍ معبّرةٍ كما هو حال مرثيتك النثريّة النقديّة في الكاتب الفلسطينيّ الملتزم الكبير رشاد أبو شاور (ص: 70-72)، كما لم تنس حظّك من توجيه قرّائك وجمهورك المتلقّي نحو مختاراتٍ أدبيّةٍ من شأنها أن تغيّر فيهم كما غيّرت فيك من قبل.

ما أحسن ما ورد في الكتاب من توصيفاتٍ وإحالاتٍ لوقائع في التجربة الأدبيّة الإنسانيّة التي تركت فيّ أثرًا يشهد لك بحسن اختيارك وأسلوبك، ومنها ما ذكرته عن الروائيّ أمين يوسف غراب، ولم أكن على معرفةٍ به قبل الولوج إلى لوحتك ص: 35، فجاءت حكايته مع التجربة الأدبيّة ملهمةً حقًّا، ولله في خلقه شؤونٌ صدقًا، وتنضمّ إليه مجريات ما سردته حول تجربة مارغريت ميتشل مع روايتها اليتيمة “ذهب مع الريح”، فتلك دالّةٌ أخرى تشهد على ما للتجربة الأدبيّة من دورٍ في تخليد بعضهم وإحياء ذكرهم أعمارًا بعد الأعمار.

لكنّ ذلك كلّه لا يأتي شيئًا أمام منهجيّتك الحصيفة الجليّة في الكتاب، ولا سيّما عند عرضك بعض الدراسات من خلال عقد موازناتٍ منهجيّةٍ كالذي فعلت خلال تناولك دراستين حول العظيم نجيب محفوظ وأدبه الروائيّ لدى كلٍّ من جمال الغيطانيّ ود. عزّت قرني وغيرها دون ريبٍ، واتّباعك نظام التساؤلات الجوهريّة التي تتيح أمامك عرض إجاباتها بمنطقٍ عقليٍّ وسندٍ نقليٍّ ثابتٍ يفضّ الغشاوة عن المتلقّي إزاءها.

عزيزي الكاتب ناجي ظاهر،

يأتي تحليلك المنهجيّ للتجربة الروائيّة واختلافها عن المذكّرات الشخصيّة سبيلًا موفّقًا لشرح القضيّة بإنعامٍ وتؤدةٍ محمودةٍ، لا ينقصه إلّا مزيد بحثٍ وشواهد دالّةٌ من النصوص الخالدة كي يدنو ذلك من المتلقّي ويترسّخ في فهمه لماهيّة التجربة الروائيّة، والحقّ أنّ لوحاك النقديّة التي عنوانها “كلمةٌ في التجربة الروائيّة” لإطلالةٌ جدّيّةٌ نافعةٌ في تحليل مفهومٍ محوريٍّ لا بدّ لكلّ أديبٍ أو مبدعٍ في فنّ القصّة والرواية أو مشتغلٍ فيهما نقدًا أو رصدًا أن يطّلع عليها، فليتك زدت فيها ما أنت وهي أهله.

أمّا اختياراتك للعناوين في لوحاتك النقديّة فكان بنوعيه الرئيسيّ والفرعيّ موازيًا حقيقيًّا للنصوص برمّتها، إذ أحسنت في رأينا في عنونة المباحث معظمها بعناوين حقيقيّةٍ غير مجازيّةٍ يمكن تصنيفها في العناوين الاختزاليّة أي التي تختزل بكلمةٍ أو عبارةٍ قصيرةٍ غالب ما ينضح به النصّ من بعدها، ولعلّ عنوانك للّوحة النقديّة ص: 66 لخير مثالٍ عينيٍّ لبراعةٍ في صياغة العنوان وهو: “كاتبٌ فلسطينيٌّ يمتطي الريح ويحلّق في الليالي- على قلقٍ كأنّ الريح تحتي/ المتنبّي”، فهو عنوانٌ مختزلٌ لما عرضْته ورصدْته بعد حول رواية راكب الريح عام 2015 للكاتب الفلسطينيّ يحيى يخلف والتي بيّنت أثر ألف ليلةٍ وليلةٍ فيها.

لقد تركت في كتابك من خلال أبوابه الثلاثة كثيرًا من التساؤلات التي يمكن للباحثين والدارسين التقافها وتناولها وتتبّعها عبر دراساتٍ منفردةٍ موسّعةٍ، وهذه دعوى لكثيرٍ من النقّاد والأكاديميّين المشتغلين بالأدب والتجربة الأدبيّة والرواية والشعر أن يردوا الكتاب الذي نحتفي بإشهاره الآن؛ فيصدروا منه إلى بحوثٍ ودراساتٍ نقديّةٍ نظريّةٍ وتحليليّةٍ تطبيقيّةٍ جادّةٍ توسّع فهمنا ودرايتنا بمفاهيم أدبيّةٍ كثيرةٍ خليقةٍ بالدراسة والبحث والاستقصاء.

عزيزي وأستاذي القدير جدًّا، قد نغّصت عليّ تلك الهنات الطباعيّة التي يتعثّر بها القارئ للكتاب ومادّته في أبوابه الثلاثة، فحبّذا لو خلا الكتاب كلّه منها خلوًّا تامًّا، ومثلك يعرف ما تخلّفه مثل تلك الفلْتات في البناء السويّ الناهض إلى الإصابة والسداد.

لقد أشدت خلال بعض محاور الكتاب بمؤسّساتٍ محلّيّةٍ وعربيّةٍ وشخصيّاتٍ فاعلةٍ ساهمت في نشر الأدب الرفيع في عالم الأدب والتجربة الروائيّة العربيّ المعاصر، وهذا وقتٌ ملائمٌ للإشادة بك شخصيّةً أدبيّةً وصحفيّةً محلّيّةً بارزةً ساهمت كثيرًا في دفع عجلة التجربة الأدبيّة في البلاد، فلك باسمنا جميعًا كلّ ثناءٍ جميلْ، وكلّ تقديرٍ فضيلْ، أيّها الحالة المحلّيّة والكاتب الهادئ الصاخب النبيل.

إجمالًا لما تناولته بين أيديكم حول كتاب “قراءاتٌ ومراجعاتٌ: نظراتٌ في التجربة الأدبيّة، وتسنّنًا بسنّةٍ قد سننتها يا ناجي في كثيرٍ من لوحاتك النقديّة في الكتاب، إذ ذيّلتها بإجمالٍ موفّقٍ يركّز ما ورد فيها تفصيلًا، فإنّي قد قدّمت من خلال هذه المداخلة النقديّة تحليلًا وتقويمًا شاملًا لدراسة الناقد والقاصّ الفلسطينيّ ناجي ظاهر، مبرزًا منهجيّة الكتاب ومادّته النقديّة وغاياته، فقد اهتمّ الكاتب بالعنوان ووظيفته، فوصفْنا عنوان الكتاب بـ “الوظيفيّ الدقيق؛ لأنّه يعد القارئ بدراساتٍ وتحليلاتٍ نقديّةٍ لا تقف عند الوصف، بل تتعمّق في تقديم رؤًى وتأمّلاتٍ فكريّةٍ حول طبيعة الإنتاج الأدبيّ وأشكاله، ثمّ اعتمد المؤلّف بنية الكتاب المتشكّلة من ثلاثة أبوابٍ متّصلةٍ بالكتابة الإبداعيّة والأدب: نثره وشعره، كما اعتمد مؤلّفه فيه منهجًا نقديًّا سويًّا يجمع بين الموضوعيّة والذاتيّة النقديّة، وتلاحظ في الباب الأوّل من الكتاب، هيمنة العرض الانطباعيّ للأعمال الأدبيّة، مع تركيزٍ خاصٍّ على شخصيّة المبدع أوّلًا، ثمّ الشخصيّة المحوريّة في العمل الروائيّ، ولقد اتّبع الكاتب أسلوبًا موحّدًا في لوحاته النقديّة المركّزة، يخلو من الحشو أو الثرثرة الزائدة، وهو شبيهٌ بـ “منظومة الفنقلة” في الخطاب الكلاسيكيّ أحيانًا، إذ يعرض تساؤلاتٍ يردفها إجاباتٍ تعبّر عن رأيه المستند إلى قراءاته ووعيه بالتجربة الأدبيّة.

وقفنا كذلك عند الرؤى والمضامين الجوهريّة المحوريّة في الكتاب، وتنبّهنا إلى سعي الكاتب إلى الوقوف عند مفهوم “التجربة الأدبيّة” وتبيّن مواضعاته وتعريفه من خلال جوانب ترتبط بالكاتب والنصّ والمتلقّي، كما أشار الكتاب إلى تصادم المؤلّف بلباقةٍ وتخلّصٍ حسنٍ مع ملامح الواقع الأدبيّ المحلّيّ، مستخدمًا مقارناتٍ لافتةٍ للتعبير عن ذلك، وقد بات جليًّا تركيز الكتاب على أهمّيّة التنبّه للشخصيّة المركزيّة في النصّ كبوصلةٍ للعمل والحبكة، وعرض الفرق الجوهريّ بين الشخصيّة الروائيّة والحقيقيّة، وبرهن ناجي ظاهر من خلال كتابه، كما هو حاله دائمًا، أنّه كاتبٌ موسوعيٌّ مطّلعٌ بثقةٍ على الأدب الروائيّ الإنسانيّ، كما نجح في عقد موازناتٍ منهجيّةٍ بين دراساتٍ مختلفةٍ في بعض مباحث الكتاب، ثمّ إنّه برع في اختيار العناوين “الاختزاليّة” للوحاته النقديّة، التي تختزل غالب ما ينضح به النصّ من بعدها.

تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.

شاهد أيضاً

د. يوسف عراقي: قراءة في كتاب “نفحات من النقد” للأديبة والناقدة الأستاذة صباح بشير

د. يوسف عراقي قراءة في كتاب “نفحات من النقد” بدايةً أتوجه بشكري الجزيل للأديبة والناقدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *