د. خالد تركي: نافِذَتي تُطلُّ على رواية “الخرُّوبة”

د. خالد تركي: نافِذَتي تُطلُّ على رواية “الخرُّوبة”
أَجدُ نفسي في ذات الكاتب رشيد النجَّاب في روايته “الخرُّوبة” من خلال قراءتي لقِراءاتِ في بعضِ تجَلِّيات السِّيرة الفلَسطينيَّة للكاتب محمود شقير (ص 140)، الأَمر الذي شدَّني لقراءتها.
يكتب عن جدِّه رشيد الذي “يُساق إِلى الجنديَّة”، “الذَّاهب بعيدًا إِلى المجهول” في أَواخر أَيَّام الدَّولة العثمانيَّة، وكتبتُ، أَنا كذلك، عن جدِّي يوسف، أَبو تركي، في كتابي “سَفر بَرلك” المجنَّد في عسكر عُثمان، عن تجنيده ومعاناته وعودته إِلى أّرض الوطن، بعد سقوط الإِمبراطورية العثمانيَّة، إِبنة الأَربعة قرون أَو يزيد، التي جثمت على قلوب شعوب ثلاث قارَّات، أُوروبا آسيا وأَفريقيا، فيجد رشيد نفسه يكتب “أَنَّ الحفيد سوف يستكملُ الكتابة عن الجدِّ وعن أَبنائه وبناته وأَحفاده وحفيداته وعن عائلةٍ مناضلةٍ لها شأنها في الشَّأن الفلسطينيِّ العامِّ” (“قِراءاتِ في بعضِ تجَلِّيات السِّيرة الفلَسطينيَّة” للكاتب محمود شقير ص 140)، وهكذا أَنا أَيضًا أَتممتُ كتابي “سَفر برلك”، وكتبتُ فيه عن انخراط عائلتي في الشَّأن الوطنيِّ الملتزم..
لقد شدَّني اسم العائلة للكاتب، النَّجَّاب حين بدأت قراءتي، حيث تذكَّرت حالاً المناضل العنيد والبطل الرَّفيق سليمان النَّجَّاب، الذي تحدَّى آلة الطُّغيان على الضِّفَّتين وخرج منها منتصرًا عائدًا إِلى حرِّيَّته وإِلى وطنه رفيقًا نشيطًا ثائرًا، فيكتب عن معاناة رشيد والد سليمان في سجون العصملِّي حيث يصف معاناته فيها وتعذيبه، “..فتجلَّد وصمد وراح يعدُّ في سريرته فيزيده ازدياد عدد الجلدات صمودًا فقد اقترب الفرج، واكتفى الجلادون بثلاثين جلدة لرشيد. هل علم ولده سليمان بهذه التَّجربة وهو يكابد ما استجدَّ من فنون التَّعذيب خلال النِّصف الثَّاني من القرن العشرين سيَّما في السُّجون الإِسرائيليَّة؟” (ص 88).
بدايةً ظننتُ أَنَّ أَحداث الرِّواية تدور في قرية خرُّوبة، الواقعة على السَّهل السَّاحليِّ بالقرب من مدينة الرَّملة، على طريق القُدس. لكن خلال القراءة تعرَّفت على أَنَّ أَحداث الرِّواية تبدأ في قرية جيبيا، قضاء رام الله، شمال مدينة رام الله، “جيبيا القرية الوادعة الرَّاقدة في إِهاب خضرةٍ بهيَّةٍ”(ص 33)، وتعرَّفت على شجرة الخرَّوبة التي لم تبارحها الأَحداث لتصبح مركزها، بعد أَن اقتيد منها رشيد إِلى العسكريَّة، “إِلى هذه الحرب المجنونة التي تخوضها الدَّولة العثمانيَّة، دون أَن تُقدِّرَ نتائجها المدمِّرة مخدوعةً بوهم التَّحالف مع الأَلمان.”(ص 60)، فاعتكفت والدته مِصِلحة الشَّجرة، “الخرُّوبة”، تنتظر عودة ابنها “جعلت مِصِلحة من الخرُّوبة مقرَّها ومقامها في ساعات العصر، الخرُّوبة التي ودَّعت من تحتها، رشيدها وهو يغادر برفقة فرقة التَّجنيد، تتساءل: من هنا ذهب، فهل تراه يعود من هنا؟.. كانت الخرُّوبة حقًّا صومعتها، معبدها، وموئلها اليوميِّ الذي تلجأ إِليه في العصاري كأَنَّها تعدُّ نفسها لمراسم الاستقبال الموعودة..” (ص 104)..
وتعرِّفك الرِّواية على القرى التي تحيط بها كجفنا، برهام، إِم صفا، بير زيت، عين سينيا، كوبر، ويُعرفنا على عدَّة قرى لاحقًا مقام بايزيد، بيت صفافا، بتِّير، دير الشِّيخ..
شجرة الخرُّوب هي شجرة دائمة الخُضرة، نجدها في الجبال وفي المناطق السَّاحليَّة، مثمرة ومُعمِّرة ترمز إِلى الصَّبر على النَّوائب والصُّمود في وجه العواتي، هي أُسطورة في الصُّمود، لكنَّ المحتلَّ لم يألُ جهدًا للقضاء عليها فاغتالها بعد أَن صارت معلمًا مشهورًا ومحجًّا لأَهل البلد والغرباء، ممَّا أَغاظ الإِحتلال فاغتالها “إِنَّ معتديًا أَثيمًا يعمل في التَّحطيب اغتالها في غفلةٍ من النَّاس..جفَّت بفعل مرضٍ..أَو بلغت العمر عتيًّا..تحميل المسؤوليَّة لجيش الإِحتلال الذي اغتالها برشقةٍ من رصاصٍ نظرًا إِلى شهرتها على الصَّعيد الشَّعبيِّ” (ص 57)..
يُستخرج من ثمار الخرُّوب المربِّى وتُصنع منها الحلويَّات، ويُساعد ربُّ الخرُّوب على شفاء تقرُّحات الفم والتهابات اللثَّة، ويُقوِّي جهاز المناعة والقلب والدَّورة الدَّمويَّة، وهناك مثل يُقول “والله لو عرف فلان بالحدث ليعلِّقنا على خرُّوبة الدِّير”.
“باتت الخرُّوبة وجهتهم”(ص 105)، فعند وفاة عبد الرَّحمن والد رشيد أَتى المُعزُّون وجلسوا عند شجرة الخرُّوبة..
“والخرُّوبة كانت مكان الإِستقبال”(ص 104)، هي البيت والشَّجرة ومركز القرية على رؤوس الأَشهاد..
“الخرُّوبة التي باتت المكان الأَثير إِلى قلبها”(ص 106)..
لكنَّ الرِّواية هي سيرة ذاتيَّة لجدِّ المؤلِّف، في فترة السَّفر برلك، الذي مُنح نفس الإِسم، تيمُّنًا بجدِّه، رشيد عبد الرَّحمن النَّجَّاب، ليحمل اسم جدِّه بعد عمرٍ طويلٍ، في فترة نهاية حقبة الرَّجل المريض وسقوطه..
لقد كان رشيد عزيز النَّفس صبورًا متجلِّدًا يتَّسمُ بالثَّبات والجَلَد، شديد العزم ذا بأس، حكيم الإِدارة وقويَّ الإِرادة رقيق المشاعر والإِنسانيَّة، يعرف كيف يضبط مشاعره، كان واضحًا بطريقه وصفاته وعمله يعرف من أَين توكل الكتف، وقد خلَّص عددًا من رفاقه من ورطات كادت تودي بهم إِلى التَّهلكة، مع العصملِّي الظَّالم، “فلا يبدو منه إِلا الصَّبر والتَّجلُّد” (ص 84)، وعندما صدر الحكم بعقابه وتعذيبه ببحصة “بين يد المدرِّب القاسية ولبابة أُذن رشيد وضغط لم يكن له مقاييس ولا حدود ..لم تنزل من عين رشيد دمعة” (ص 84)، كان مقدامًا شجاعًا رفض استجداء والده للعسكر بغية إِعفائه من الجنديَّة، بعد أَن سمعوا “هل من إِعفاء للولد الوحيد لأَبويه؟”(ص 17)، “لا يوجد إِعفاء”(ص 28)، لكنَّ رشيد رفض أَن يجد والده مستعطفًا ومستجديًا فأَمسك بيد والده بقوَّة “ولا يهمَّك يابا خلص، يبدو أَنَّ لا طريقة للفكاك، هوِّن عليك، إِعتن بأُمِّي وإِخوتي وسأَعود إِليكم”، فقال له “روح الله يسهِّل عليك..رضى ربَّي ورضى قلبي..بترجع بالسَّلامة”(ص 18)، “كم هو قويٌّ هذا الشَّاب!”(ص 19)، “لم ترُقني فكرة أَن يستجدي والدي أَمر السَّماح بعدم تجنيدي بحجَّة أَنَّني إِبنه الوحيد”(ص 80)، وكان عبد الرَّحمن يخشى على ابنه رشيد أَن يُصبح “فراري” حينها يكون دمه مهدورًا في حالة اعتقاله، رسائل تهديد ووعيد “سيكون القتل الفوريُّ عقابهم..فليحضروا طوعًا.. والويل لمن حاول الفرار”(ص 28)، “إِن ما مسكوه اليوم بمسكوه بكرة والعقاب أَشد والنَّجاة أَبعد”(ص 29)، أَمَّا في حال تجنيده فهناك أَمل بعودته سالمًا، وإِن كان ضئيلاً، “إِذا حابِّة تشوفي إِبنك إِتبعي عقلك”(ص 29) أَي أَرسليه |إِلى العسكريَّة، فالأَمل بالعودة سالمًا وإِن كان ضئيلاً يبقى موجودًا، الأَمل بالعودة أَفضل من أَن “يلقي بمصيره إِلى المجهول حتمًا” (ص11)، فما أَضيق العيش لولا فسحة الأَمل، فهي المتنفَّس في الضَّائقة والنُّور في الظُلمة..
“وكأَنَّهم شدُّوا جزءًا من روحها”(ص 21)..
إِنَّ خبر وجود رشيد في الشَّام قد أَثلج صدر والدته، بعد أَن أَخبروها أَنَّهم رأوا أَنَّ وجهته الشَّام..
تبدأ الرِّواية من غلافها بالخرُّوبة “خروبة قديمة قِدم الزَّمان”(ص 56) وتنتهي بالأًمل الذي تحقَّق بعودة رشيد سالمًا معافىً إِلى أَهلِهِ وإِلى بيتِهِ وإِلى قريتِهِ وإِلى خرُّوبتِهِ بعد سقوط الطَّاغية العصمليَّة ليأتي ما بعدها طغاة أُخر يحتلُّون بلدي بحجَّة الإِنتداب “أَمَّا ما بعد ذلك يا أُمِّي فبداية عهدٍ جديدٍ” (ص 111)..
زرعوا فأَكلنا نزرع فيأكلون..فهي تربط الأَجيال مع بعضها البعض الأَجداد والأَولاد والأَحفاد والأَسباط..
فقسَّموا بلادنا وجزَّأوها إِلى دويلات “ووثَّق أَواصر التَّواصل بين أَبناء سورية الكبرى قبل أَن تتصدَّى خرائط المستعمرين وأَقلام سايكس بيكو لآمالهم وتجعلُ من هذه المناطق دولاً وحدودًا ومرورًا يبدو مستحيلاً عبر هذه الحدود.” (ص 65)..
لقد أَخذوا رشيدها جنديًّا لكنَّه بقي في فؤادها وحاضرًا في كلِّ جوارحها “كأَنَّني أَرى رشيد يجلس ويأكل معنا..”(ص 25)، لكنَّها كانت تخشى ذلك الخبر اللعين فتتساءل وهل سترى عودته حيًّا “فمتى تراه يعود؟ هل حقًّا سيعود؟ هل أَراه مجدَّدًا!”(ص 21)..
وقال والده “اللي بوقع من السَّما بتتلقَّاه الأَرض” (ص 10).
“كان عبد الرَّحمن يخشى على ولده الوحيد”(ص 10)..
أَن يتجنَّد خير من أَن يكون “فراري”، فارًّا من الجنديَّة، وهنا يحضرني الشَّاعر توفيق زيَّاد عن الفراري:
“كتب الشَّاعر توفيق زيَّاد في كتابه “صور من الأَدب الشَّعبيِّ الفلسطينيِّ”: أَنا شُفت “القانون” جاي من بعيد
وحبِّيت أَهرب ما طلع بإِيدي
قال لي الوثيقة ناولته مجيدي
لطش المجيدي وقال لي: أَنت فراري”
لقد حاول المجنَّد رشوة العسكريَّ ليعفو عنه لكنَّه “لطش المجيديَّة وقال لي أَنت فراري”(ص 11) وسحبه للتَّجنيد..
وقد قام عسكر عثمان بتوزيع المجنَّدين، إِلى مناطق نفوذهم في القارَّات الثَّلاث، آسيا وأُوروبا وأَفريقيا، فقد أَرسلوا رشيد ورفاقه إِلى الشَّام، وآخرين إِلى البلقان، وإِلى اليمن والجزيرة العربيَّة، وغزَّة ومصر، في ظروف سفر مقيتة ومُتعبة على مقاعد خشبيَّة مخصَّصات طعام هشَّة لدرجة أَنَّ الجوع أَرحم لهم “مثل خبز الشعير مأكول مذموم”(ص 40)، “سفر قسري يفتقر إِلى التَّعامل الإِنسانيِّ”(ص 65)، “وفضُّوها بكلِّ قسوةٍ”، “وسط أَصواتٍ آمرةٍ وأَجواء عدائيَّة” (ص 73)، حتَّى أَنَّ بعض الجنود كانوا مجبرين على إِحضار ملابسهم من البيت بسبب وضع الدَّولة الصَّعب والمزري مادِّيًّا “وبلغ الحدُّ عند بعض المجنَّدين أَن أُجبر الأَهالي على توفير ما يلزم من زيٍّ لأَبنائهم”(ص 71)، سعى العصملِّي من أَجل ذاته ولخدمة مصالحه في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل..
يشرح لنا الكاتب العزيز ما هو أصل طولكرم وما هي بيسان مشكورًا “طور كرم أَو جبل العنب والذي تحوَّل لاحقًا إِلى طول كرم ثمَّ تمَّ وصلُها معًا لتُصبح طولكرم”(ص 50)، وطولكرم هي عاصمة لمنطقة بني صعب، “ترتبط بيسان أَيضًا بالفراعنة فهي عاصمة حكمهم في فلسطين، وفيها شواهد على حضارتهم.”(ص 55)، ويقول لنا عن مدينة بعلبك إِنَّها “مدينة الشَّمس، وأَحد مساكن الإِله بعل، بعلبك، بعل للإِله، و”بق” للبقاع فهي موطن إِله البقاع” (ص 76)، “إِنَّها بعلبك ثمَّةَ حياةٌ جديدةٌ هنا”(ص 75)، وأَن دمشق عاصمة الأُمويِّين، كانت تُسمَّى “جِلَّق” (ص 69)، ويُعرِّفنا أَنَّ سوق الحميديَّة بدمشق سُمِّي بهذا الإِسم نسبةً للسُّلطان العثمانيِّ عبد الحميد الأَوَّل وقد بنيَ “في نهايات سبعينات القرن التَّاسع عشر في موقعٍ قريبٍ من قلعة دمشق.”(ص 70)..
فيقول شاعرنا محمَّد مهدي الجواهري، في قصيدته “شمَمتُ تُربَكِ”:
يا جِلَّقَ الشَّامِ والأَعوامُ تَجمَعُ لي سَبعاً وسَبعينَ ما التأما ولا افتَرَقا
رشيد هو أَخٌ لحمدة وفاطمة، بعد “أَحد عشر حملاً، ولم يبق منهم سوى رشيد وأُختيه..”(ص 7).
وحين عاد رشيد ورأَته مِصِلحة والدته، “دوَّى الصَّدر بالخفقان وتسابقت إِلى الخدَّين قطرات من دمعٍ وانطلق في السَّاحة صوت زغرودة. رشيد..هذا رشيد! أَلف الحمد لله على سلامتك يمَّة يا حبيبي”(ص 107).
يكتب لنا عميد الأُدباء الرَّفيق محمود شقير، أَبو خالد، عن الرِّواية:
يكتب رشيد النَّجَّاب رواية سيريَّة بلغة موحية وسرد حافلٍ بالتَّفاصيل وبذكر الأَمكنة العديدة التي مرَّ بها الجدُّ، ليضع القارئ أَمام تلك التَّفاصيل بتشوُّقٍ لا يغيب، وبإِيقاع متمهِّل لكنَّه متناسب ومتناغم مع كثرة التَّفاصيل.
خِتامًا..
تبريكاتي القلبيَّة العطرة للكاتب ابن وطني رشيد النَّجَّاب بصدور ثمرة قلمه “الخرُّوبة”، أَعتزُّ بكِ وأُهنِّئك..
أَعَزُّ مَكَانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سَابِحٍ وَخَيْرُ جَلِيسٍ في الزَّمانِ كِتابُ..
ملحوظة: صورة الغلاف هي لجدِّ الكاتب رشيد عبد الرَّحمن النَّجَّاب، من تصميم الفنَّانة م. سجود العناوسة.
ملحوظة ثانية: رواية “الخرُّوبة”، من إِصدار الآن ناشرون وموزِّعون،
عمَّان، عام أَلفين وخمسة وعشرين، من الحجم الوسط في مائة صفحة.
ملحوظة ثالثة: أَرادت الدَّولة العثمانيَّة في بداية أُفولها، في العقد الثَّاني من القرن العشرين، إِضطهاد الشَّعب وإِذلاله وتجويعه وتعذيبه نفيه وتتريكه وكانت تجنِّد الشَّباب في حربها ضدَّ العالم، وتسوقهم إِلى تلك المناطق، قلقٌ دائمٌ وخوفٌ داهمٌ ورعبٌ حائمٌ، وجوعٌ وتمنِّيات بزوال الحال.. وتُعرف هذه الفترة بفترة السَّفر برلك..
ملحوظة رابعة: شكرًا للأَديبة الأُستاذة رنا أَبو حنَّا على إِهدائها الرِّواية..

تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.