د. خالد تركي: نافذتي تطِلّ على “مارغاروش يعود إِلى حيفا”

د. خالد تركي
رفيقي العزيز المُحتفى به د. ماجد خمرة، سأَقتبس، بعد إِذنك، مما جاء في مداخلتك عن كتابي “صفحات من حيفا” مع بعض التَّغييرات التي تتبع صفة المتكلِّم، بعد إِذنك الممنوح والمسموح فلا بُدَّ من المكاشفةِ بسرٍّ ليسَ من أسرارِ الكنيسةِ.
ماجد وأَنا من مواليد حيفا، وسكنَّا في نفسِ الحارةِ وادي النسناسِ، أَنا سكنتُ في شارع الوادِي رقم تسعة وثلاثين وسكن ماجد في شارعِ الوادِي رقم تسعة وأَربعين، ولاحقًا سكن في شارعِ حدَّاد المجاورِ والتَّابع للحيِّ.
ترعرعنا في صفوفِ أبناءِ الكادحينَ فالشَّبيبةِ الشُّيوعيَّة فالحزبِ الشُّيوعيِّ، درسنا في الدولِ الاشتراكيَّةِ، هوَ درس الاقتصادَ السِّياسيِّ في بلغاريا وتخرَّج بشهادة ماجيستير بتفوُّق ومن ثمَّ حصل على شهادة الدُّكتوراة في أَكاديميَّة العلوم البلغاريَّة، وأَنا درست الطِّبَّ في تشيكوسلوفاكيا. جدَّتي لأبي، أم داود، تعرفُ جدَّتَهُ لأمِّه أُم ذيب، حيث كان الرَّفيق ديب قاسم عابدي كاتبًا وأَديبًا ومثقَّفًا ثوريًّا، صديقًا صدوقًا حميمًا لوالدي لروحهم الزَّكيَّة دمعتان ووردة وتحيَّة، وكذلكَ كان خاله الفنَّان والرَّسَّام والنَّحَّات عبد عابدي، الذي أَتمنَّى له المزيدِ من الصحةِ والعطاءِ من أصدقاءِ والدي أبي خالد. أختي رفيقة كانت زميلته على مقعد الدِّراسة في مدرسة الأُخوَّة لعدَّة سنواتٍ. والأهمُّ أننا في الخطِّ الواحدِ والهمِّ الواحد وفي الطَّريق الواحد معًا، ووادي النِّسناس يجمعنا من منبعه إِلى مصبِّه إِلى مؤتمره ومطبعته وبستانه وجريدته الإِتِّحاد صحيفة الشَّعب، مع أَنَّه لم يكن للوادي نبعٌ لكنَّنا كنَّا نبعُهُ ومسارُهُ وحجارتُهُ، فحجارة الوادي لا تعرفُ إِلا أَهله. لربما يوجدُ فرقٌ واحدٌ بيننا، أنا مسلمٌ كاثوليكيٌّ وهوَ أُورثوذكسيٌّ مسلمٌ. يعني باختصارٍ القضيَّة عائليةٌ وكمان “مبيوعةٌ”..
ليس هذا فقط بل أُحيطه من جهة ثانية، من نصفه الثَّاني وهو أَنَّ والد رفيقة دربه رفيقتنا عبلة، الرَّفيق ذيب زريق أَبو رمزي كان من الأَصدقاء الأَعزاء والمقرَّبين المقرَّبين لعائلتي، وكانت تربط عائلة زريق وعائلة تركي صداقة رفاقيَّة متينة منذ بداية خمسينات القرن المنصرم، وكان شقيق عبلة الرَّفيق رمزي زريق مدربي في الشَّبيبة الشُّيوعيَّة، وهيفاء شقيقتها كانت زميلتي على مقعد الدِّراسة، الإِبتدائيَّة، وفي الشَّبيبة الشُّيوعيَّة، لقد رعت رفيقتي عبلة طفولة أَحفادي الصِّحِّيَّة في مركز رعاية الطِّفل، وكانت خير رعاية، شكرًا لكِ..
زد على ذلك أَنَّ كتابي “صفحات من حيفا” تتناغم مع نصوصه الحيفاويَّة السَّرديَّة لقصصٍ لن تغيب، “مارغاروش يعود إِلى حيفا” كما كتب لي في إِهدائه لكتابه..
يحكي د. ماجد عن حيفا وعن أَسواقها عن سوق الشوام والأَتراك والحسبة والسُّوق الأَبيض وحاراتها حارة الكنائس والحيِّ الشَّرقي والموارس ووادي النِّسناس ووادي السُّيَّاح والحلِّيصة ووادي الجمال ووادي روشميا والكروم وبوَّابة الدِّير والأَلمانيَّة وأَرض البلان وعن ناسها على أَنواع مسقط رأسهم فنجد سوريِّين ولبنانيِّين ومصريِّين ويمنيِّين ومن النُّوبة والسُّودان ونجد السِّكناج واليهود ولاد عرب فهذا أَبو جميلة وذاك محمَّدين وأَبو شحاتة من شارع الوادي ثمانية وثلاثين، جارنا، وهذا سركيس وأَبو جميلة السُّوداني الحمَّال وحامل هموم الدُّنيا ومن بعدها عمل بيَّاعًا للبوظة حيث كان ينادي “دندر البوظة يا سئيدة” (ص 105) وذاك عيسى بيَّاع القناني وتلك بديعة المجنونة وفاطمة الزَّعرة وأَبو النَّاجي الكاخا وهذا الدُّكتور سعيد المصريِّ صاحب أَبو إِبرة الدَّاسوس ويذكر بساتينها الإِنشراح وحيَّ البساتين والسنترال والموارس وحيِّ الزَّيتون وبحرها وبرَّها وشواطئها أَبو نصُّور وإِميل البوتاجي وتلِّ السَّمك والعزيزيَّة وشاطئ الرَّمل، وتبقى النَّكبة حيَّةً فينا الى أَن “يعود مارغاروش إِلى حيفا” ومعه عبد الله كيَّلو وزوجته زينب وحتَّى تعود عائدة مع الجميع إِلى حيفا..
من هو مارغاروش! اختلف الكتَّاب في مصدر هذا الاسم، لكنَّنا نعلم كما جاء في الكتاب، أّنَّه من الجان، شخصيَّة مخيفة، “وجرت العادة أَن نبسمل قبل ذكر اسمه..كي لا نُصاب بالأَذى منه.” (ص 77)، ومنهم من قال “هو أَحد أَبناء ملك الجان أَشمداي الذي تحدَّى سليمان الحكيم.. هو صهره لإِبنته الجنِّيَّة حشتماروش”(ص 77)، ومن هنا أَخد مارغاروش قوَّته رغم قبح منظره بقصر قامته وعينيه المشوَّهتين وقبَّعته لكنَّه استقرَّ في حيفا جسديًّا ومن بعدها سمعةً وروحًا، فهل مات مارغاروش أَم غُيِّب أَم غاب أَم أُبعِدَ أَم طُرد وهُجِّر أَم ذهب ليرتاح قليلاً من همِّ النَّاس وطول لسانهم عليه بنميمتهم، فهم يستغيبون هذا البطل، فهو “من أَبطال جدَّاتنا في بيوتهنَّ وفي حمَّاماتهنَّ حمَّام الباشا..” (ص 77)، وهم يعرفون أَنَّه ﴿سيأتي بمجدٍ عظيمٍ ليُدين الأَحياء والأَموات..﴾، سيأتي عائدًا إِلى حيفا، يمتطي فرسًا أَشهبَ اللون، أَبيض، أَو حمارًا أَو براقًا مع من طُردوا وهجِّروا منها، إِلى حاراتهم ومساكنهم وأِسطح بيوتهم كما يظهر في غلاف الكتاب، ملوِّحًا بيديه من على سطح بيته في شارع الوادي رقم خمسة عشر، هاتفًا: ها أَنا قد عدتُ، لن أَهاب أَحدًا ولن أَتركك مرَّة أُخرى حتَّى الموت الزُّؤام لا أَهابه، “حتَّى لو جوبهنا بالموت نفسه..”..
فمارغاروش حيٌّ لا يموت، فبعد أَن كبَّلوه بالجنازير والسَّلاسل وضعوه في التَّابوت ورموه في البحر على شاطئ دار الصِّيقلي كي لا يعود “إِلا أَنَّه عاد وسيعود لأَنَّه جان ومارغاروش ولأَنَّه بطل من أَبطال حارة الكنائس والبلد التَّحتى وشخصيَّة من شخصيَّاتنا الإِنسانيَّة”( ص 80)، لكنَّه عاد حتَّى أَصبح من شخصيَّات حيفا وبطلاً من أَبطالها..
“فمن ظنَّ أَنَّني قد متُّ فهو على خطأ”(ص 153)، لقد عاد ليحثَّنا على البقاء “أَراكم مصرِّين على البقاء، البقاء الكريم المبني على حقِّكم وعلى أَبسط حقوق الإِنسان فشرعتم بكتابة النَّكبة لترووا للأَجيال ما يجب أَن ترووه. هذا واجبكم أَمام السَّلف وأَمام الخلف.” (ص 156).
يروي قصَّة تهجير سبعين أَلف أَو يزيد أَو ينقص من عربها إِلى الشَّتات وإِلى مجهول ما زالوا يعيشونه دون بصيص أَملٍ..
كان عدد سكان حيفا العرب في نكبتها “سبعين أَلًفًا نسمة وفي اليوم التَّالي..ربَّما الفين نسمة” (ص 164)..
ويروي لنا قصَّة خلاف بين شقيقين على ماذا يا تُرى، لماذا لا يعرفان أَنَّ القوَّة في الوحدة، “أَصابع كفِّ المرء في العدِّ خمسة ولكنَّها في مقبض السَّيف واحد، “إِي مرتك بتحكيش مع مرتي” وبهذا حُسم النِّزاع العائليِّ ليُعاد من جديد إِلى عالم اللجوء..(ص 156)..
يقول الشَّاعر محمود درويش:
لو يذكر الزَّيتون غارسَهُ
لصار الزَّيت دمعًا!
وهنا لو نطق الحجرُ وحكى مأساته لبكى دمًا على ساكنيه المنكوبين وعلى بانيه المنكوبين، بعد أَن أَصبح كلُّ واحدٍ منها منكوبًا بن منكوبٍ “..أَمام حجارة المباني لتستنطقها لتأتيك بالأَخبار من سفر الدُّهور، أَخبار ظاهر العمر الزَّيدانيِّ، رشيد الحاج إبراهيم، الزَّعبلاوي، الجدع..وتزوِّدك الحجارة بكلِّ حدثٍ وتؤكِّد لك أَحداث نيسان من ذلك العام.”(ص 29)، لكنَّ هذه الحجارة تنطقُ وتشهد على مهندسيها وبانيها وساكنيها، فهذا الجامع الصَّغير الزَّيدانيِّ وتلك أَسوار حيفا، وتلك الكنائس في حارتها، وذاك بيت دار كنفاني ودار رشيد الحاج إبراهيم “نعم هذه هي بنايتك يا رشيد الحاج إبراهيم، هذا هو برجك، هذه هي وثائقك وخطُّ يدك الذي لم يعد لك..هذه هي حياتك التي أَصبحت حياتنا.”(ص 45)..
لو لهذه الحجارة أَلسُنٌ لنطقت وقالت حقيقة تشيب لها الرُّؤوس وتقشعرَّ لها الأَبدان “ففي كلِّ رقعة من أَحياء حيفا ستجد تلك المؤثِّرات من الحجارة والشَّبابيك والأَقواس والشُّرفات التي ستروي لك قصَّة ذلك المكان وذلك الزَّمان”(ص 76)، هل سيعود البنَّاء “محمَّد دلُّول” الذي كان قد ابدع في صنعها(ص 162)، إلى حيِّ المفخرة، ليرى من يسكن هذه البيوت التي بناها، فيبكي دمًا..
يطلب كاتبنا من الذين يسيرون في أَحياء حيفا القديمة أَن يترفَّقوا “ترفَّق في تلك الأَجساد التي عاشت في تلك الرُّقعة الزَّمكانيَّة من عامود فيصل إِلى ساحة الخمرة (الحناطير) وكأَنَّك تدوس على أَرواحهم الجسديَّة، رقعة قد تبخَّرت بمن فيها”(ص 171)..
يطلب كاتبنا من جدِّه قاسم بن ديب عابدي أَن يقف يوم الحشر، يوم يحين الحين، بأَنَّه ولد ومات وبقي في حيفا، ليُدلي بشهادة شجاعة أَمام هؤلاء الذين ينكرون علينا هُويَّتنا ووجودنا فوق أَرضنا “أَطلب منك يا جدِّي أن تقف يوم الحساب على قدميك متينًا شامخًا أَمام المَلاكَين الرَّحومين اللذين سيسأَلانك: ما اسمك وما دينك؟ فقل لهما بلا جزعٍ أَو خوفٍ: حيفا مدينتي، وحاراتها مرتعي، جوامعها أَذاني، وكنائسها أَجراسي، أُناسها إِخوتي كرملها جبلي، وإِنَّني ولدتُ وعشتُ ومتُّ على أَنَّني باقٍ في حيفا “(ص 49)..
وهنا يحضُرني ما قاله رفيقنا القائد توفيق زيَّاد”
من شدَّة حبِّي لبلادي لا أَفنى وأَموت
لكن أَتجدَّد
دومًا أَتجدَّد
ويقول في أُخرى:
شوق العواصف في خطاي
وفي شراييني نداءُ الأَرض قاهر
أَنا راجع فاحفظنَ لي صوتي
ورائحتي وشكلي
يا أَزاهر يا أَزاهر
كتاب ينفي ويدحض مقولتهم “أَرض بلا شعب لشعبٍ بلا أَرض”..
عزيزي ورفيقي ماجد..
السَّلام عليك يا ماجد، يا ممتلئًا بنعمة الذَّاكرة، نحن معك ونحبُّك، مبارك أنت بين الأُدباء والمثقَّفين ومباركة ثمرة يراعك “مار غاروش يعود إِلى حيفا”، ليُباركك الحيُّ القيُّوم، بكرةً وأَصيلاً، مع رجاء الدُّو قيُّوم على أَمل المساواة والسلام والدِّيمقراطيَّة بشوف حالي فيك، وشايف حالي فيك معتزًّا بك..
ختامًا..
تبريكاتي القلبيَّة العطرة للكاتب د. ماجد خمرة، ابن مدينة حيفا، بصدور كتابه “مارغاروش يعود إِلى حيفا” وإلى مزيدٍ من العطاء الجميل والمُثمر والملتزم..
أَعَزُّ مَكَانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سَابِحٍ وَخَيْرُ جَلِيْسٍ في الزَّمانِ كِتابُ
ملحوظة: صدرت الرِّواية “مارغاروش يعود إِلى حيفا”، “قصص حيفاويَّة” عام أَلفين وخمسة وعشرين، عن دار النَّشر راية، من الحجم المتوسِّط، في مائة وخمسٍ وسبعين صفحة، حيث أَنَّ لوحة الغلاف لوحة الفنَّان والنَّحَّات والرَّسَّام عبد عابدي، “الوادي 15، أَكريليك على قماش” (ص 4)، من وحي أَحياء حيفا العربيَّة..
ملحوظة ثانية: “كُتبت نصوص هذا الكتاب على امتداد ثلاثة عقود، ونشر بعضها في صحيفة الإِتِّحاد الحيفاويَّة العريقة، وفصليَّة مشارف في الذِّكرى السَّنويَّة لسقوط حيفا..” (ص 175).
ملحوظة ثالثة: “لنا الشَّرعيَّة التَّامَّة بإِعادة كتابة تاريخنا، محطُّ فخرنا واعتزازنا، نشمخ به ونواجه من نواجه بقوَّة الحقِّ والبرهان”(ص 172)..
-
قُدِّمت هذه الكلمة خلال الأمسية التكريمية للدكتور ماجد خمرة في نادي حيفا الثقافي/ 20.11.2025
تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.