أسمى وزوز: قراءة في كتاب “صيّاد ..سمكة وصنّارة”

أسمى وزوز
قراءة في كتاب «صَيّادُ سَمَكَة وصنّارَة»
شعرت بأنّني أمام عملٍ يفيض بالحياة والفلسفة والجمال الوجوديّ في آنٍ واحد.
فؤاد نقّارة ليس مجرّد كاتبٍ أو محامٍ، بل هو الصّياد الذي يتنفّس البحر يوميًّا، والمثقّف الذي يوثّق تجاربه ويحوّلها إلى نصوصٍ تنبض بالوعي والمعرفة، ورئيس نادي حيفا الثقافيّ الذي يجمع بين الثقافة والممارسة العمليّة، بين الفكر والفعل، بين البحر والقلم.
هذه الشّخصيّة المتكاملة تجعل الكتاب أكثر من مجرّد نصٍّ؛ إنّه سجلٌّ حيٌّ لتجربةٍ إنسانيّةٍ كاملةٍ، تمزج بين الصّيد والتّأمّل الفلسفيّ والمعرفة في انسجامٍ رائعٍ لا يفقد القارئ لحظةً من روعة البحر وحكمته.
من الصّفحات الأولى، نستشعر شغف الكاتب بالبحر، وحبّه العميق للكائنات البحريّة، وفهمه الأكثر عمقًا لما تمثله الحياة تحت الماء من دروسٍ للصّبر والمراقبة والتّواضع أمام الطّبيعة.
فكلّ رحلةِ صيدٍ تصبح درسًا وجوديًّا: الصّبر، المثابرة، الاحتّرام المتبادل، وفهم قيمة كلّ لحظةٍ في البحر، وتجربة الانصهار مع حركة الأمواج، كلّ ذلك يجعل الصّيد تأمّلًا يوميًّا في النّفس والحياة.
الكتاب غنيّ بالمغامرات الإنسانيّة، حيث يظهر الجانب الأخلاقيّ والوجدانيّ للكاتب من خلال علاقاته بالصّيّادين وراكبي السّفن، ووجوده المستمرّ بإقامة نشاطات نادي حيفا، التي تجسّد القيم النّبيلة للصّداقة، الوفاء، والتّقدير العميق للخبرة والممارسة العملية للبحر. القراءة هنا تصبح تجربةً مرافقةً للكاتب، نتعلّم معه، ونشعر بما يعيشه في البحر من لحظات صمتٍ وفرحٍ وانتظارٍ ومراقبةٍ دقيقةٍ لكلّ حركةٍ في الماء.
لقد درج الكاتب في كتابه على التّنوّع الذي يربط بين التّجربة الشّخصيّة، التّأمل الفلسفيّ، والمعرفة العلميّة، والفن البصريّ.
حتى القسم الذي يشمل فهرست الأسماك وأحياء البحر، على الرغم من كثافته العلميّة، يُقدّم ضمن هذا التنوّع ليظهر حب الكاتب للبحر وتقديره لكلّ تفاصيل الحياة البحريّة.
والصّور الملوّنة والوصف الدّقيق لكلّ نوعٍ يتيح للقارئ مشاركة التّجربة العلميّة والجماليّة والفلسفيّة في الوقت ذاته، ويظهر الجهد الطّويل والالتزام الكبير الذي بذله الكاتب ليقدّم هذا العمل الرّصين الذي لا يعتبر موسوعةً للكائنات البحريّة التي قدّمها فؤاد نقّارة فقط بل رحلةً فلسفيّةً وجدانيّةً تأمليّةً في البحر واتّساعه وحكاياته وقصصه مع الصّيّادين والأسماك بكلّ أنواعها وشروحاتها وصيدها، وحكايات البحر معه ومعها حينما تشتبك بصنّارته.
فهو بالرّوح التي تلتصق بالبحر وتسافر معه يروي، وبالحلم البعيد للعالم أن يهدأ كما يهدأ الموج في أوقاتٍ كثيرة يقصّ علينا، وبقدرته على الأناة والتّحمّل وطول الأمل يحكي.
فهي رحلة ذاتٍ مسافرةٍ مع كلّ موجةٍ وما تخبّئ في طيّاتها.
والقارئ عند وقوفه على شواطئ هذا الكتاب هو تمامًا يقف على شاطئ البحر مع فؤاد نقّاره، يرى الكائنات وتتجسّد بين يديه بألوانها الزّاهية التي تبهر العقل وتأخذ بالإنسان بعيدًا.
فما يميّز الكتاب بشكلٍ خاص هو القدرة على نقل القارئ إلى البحر؛ ليشعر وكأنه يراقب كلّ حركة مع الكاتب، يشارك كل لحظة صمتٍ وتأمّل، ويعيش معه فلسفة الصّبر والمراقبة والاحتّرام كما عاشها بنفسه. البحر في الكتاب يصبح عالمًا حيًّا من المعرفة والتّأمّل والجمال، ومرآة للتّجربة الإنسانيّة، وفضاءً للانسجام والشّرود في آفاق الحياة والوجود.
ومن بين سطور الكتاب، يمكن للقارئ أن يتلمّس الموسيقى الدّاخليّة للبحر، همس الأمواج، ضوء الشّمس المتلألئ على الماء، ولحظة صيد السّمكة وكأنها لقاء مع الحياة نفسها.
كلّ صفحةٍ، كلّ قصّةٍ، وكلّ تأمّلٍ، يجعلنا نتوقّف، نتنفّس، ونشعر بعظمة التّجربة البحريّة، كما لو أنّنا نشارك الكاتب كلّ يومٍ صباحًا أو مساءً جلساته مع الأسماك والأمواج والهدير أو السكون، نصغي لصمت البحر ونستشعر عمق الحياة الذي يقدّمه.
ختامًا، يمكن القول إنّ «صَيّادُ سَمَكَة وصَنّارَة» ليس مجرّد كتابٍ عن الصّيد أو موسوعةٍ للأسماك، بل رحلةٍ متكاملةٍ في حياة الكاتب، في البحر، وفي النّفس البشريّة.
القراءة تمنحنا فرصةً لفهم معنى الحياة، والتّقدير للطّبيعة وجمالها، والعطاء، والمثابرة وقوّة التّحمّل، والتّأمّل في كلّ تفصيلٍ من تفاصيل الحياة، كما تكشف عن صدقِ وإبداع فؤاد نقّارة،
الصّيّاد، المحامي، ورئيس نادي حيفا الثّقافيّ، الذي جسّد شخصيته المتكاملة في الكتاب وفي البحر وفي الثقافة.
هذا الكتاب يستحق الإشادة والتّقدير في الوسط الثقافيّ وليس فحسب بل بكلّ مكتبات العالم العربيّ، فهو يترك أثرًا طويلًا في النّفس والوجدان؛ ليكون مرجعًا للمعرفة والجمال والفلسفة الوجدانيّة في آنٍ واحد.
كما أنوّه إلى مدى إعجابي وعشق تفاصيل هذا الإصدار وما فيه من جودة في الإعداد والتّحرير وكذلك الطّباعة ونوع الورق وصورة الغلاف المثيرة لعبور طيّات هذا الكنز الجميل.
كلّ الأمنيات للكاتب فؤاد نقّارة بأن نرى مزيدًا من إصداراته في قصصه وحكاياته مع ثقافته المتنوّعة والغنيّة سواءً مع البحر أو مع كلّ ما يبتغيه الكاتب.
وقد أمتعنا وأفادنا و رافقنا معه في رحلاته اليوميّة للبحر والموج ومع الكائنات البحريّة جميعها.
شكرًا فؤاد نقّارة على هذا الجمال الذي منحتنا إيّاه.
29/ يناير / 2026
تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.