
أسمى وزوز
رواية «فرصة ثانية» تبنى على سؤالٍ مركزيٍّ شديد الإنسانيّة:
هل يمنحنا الزّمن إمكانيّة البدء من جديد، أم أنّ ما نسمّيه «فرصة» ليس سوى وعيٍّ متأخّرٍ بما فات؟
بهذا السّؤال غير المعلن، ولجت الكاتبة صباح بشير إلى عالمٍ سرديٍّ يتشكّل من الدّاخل الإنسانيّ أكثر ممّا يتحرّك إلى الأمام.
عنوان الرّواية -وكما نعلم- هو بمثابة النّور لبداية الرّؤيّة والتّأمّل ومن ثمّ الوصول لما يبتغيه القارئ من اختيار.
وهنا جاء العنوان وعدٌ هشٌّ بالتّغيير، حيث لا يقدّم العنوان نفسه كحقيقة، بل كاحتمال. فـ«الفرصة» ليست يقينًا، وكونها «ثانية» فهو يكشف عن تصدّع التّجربة الأولى.
فهنا، في رواية الكاتبة صباح بشير لا يعدّ العنوان مجرّد تسميةٍ، بل يصبح موقفًا فلسفيًّا من الحياة، يوحي بأنّ الإنسان لا يُهزم حين يخطئ، بل حين يتوقّف عن مراجعة أخطائه، ومحاسبة نفسه ووضعها في ميزان الحقيقة.
وقد عبّر هذا العنوان عن مضمون الأحداث التي تبلورت في دواخلها وذواتها التي برعت الكاتبة في تصويرها.
السّرد: حين تتقدّم النّفس على الحدث.
تميل الرّواية إلى سردٍ داخليّ، تُقدَّم فيه الوقائع من خلال أثرها النّفسيّ لا من خلال ترتيبها الزّمنيّ وهو الهدف الأسمى للكاتبة، فنحن نقيس الأحداث بمدى تأثيرها على النّفس الإنسانيّة التي وقعت عليها هذه الظّروف لا بمدى تفصيل الشّخصيّة، حيث أنّ الذّاكرة تؤدّي دورًا أساسيًّا، لا بوصفها مخزنًا للماضي، بل كمساحة مساءلةٍ ومحاسبة.
فالأحداث لا تُروى كما حدثت، بل كما تُستعاد، بما تحمله من تشوّشٍ وندمٍ، ومحاولاتٍ للفهم.
فهذا الخيار السّرديّ يجعل النّص أقلّ انشغالًا بالحبكة التّقليديّة، وأكثر التصاقًا بتقلّبات الوعي الإنسانيّ.
وكذلك الشّخصيّات فهي ذوات في حالة مراجعة أو هروب أو تقلّب وتردّد.
لقد اختارت الكاتبة شخصيّاتها في لحظةٍ هشّةٍ من حياتها، لحظة تسبق التحوّل أو تتهرّب منه.
ولا نجد شخصيّاتٍ مكتملةً أو واثقة، بل ذوات قلقة، متردّدة، تحاول أن تعيد تعريف نفسها بعد تجربة فَقْد أو خيبة.
وقيمة هذه الشّخصيّات أنّها لا تطلب تعاطف القارئ، بل فهمه؛ فهي لا تُجمّل أخطاءها، ولا تبحث عن تبريرات جاهزة، بل تقف عاريةً أمام أسئلتها.
التّجسيد النّفسيّ للقيم عند الكاتبة:
عكست الكاتبة بعض الاتّجاهات النّفسيّة التي تمخّضت عنها هذه القيم التي تعمّقت بها عبر محاور الرّواية كالخسارة بوصفها طريقًا للوعي، فالرّواية لا تتعامل مع الخسارة بوصفها نهاية، بل باعتبارها مرحلة إدراك. الألم هنا ليس عنصرًا دراميًّا عابرًا، بل محرّكًا أساسيًّا لتطوّر الوعي.
ومن هذا المنطلق، لا تأتي «الفرصة الثانية» كمكافأة، بل كنتيجة لتصالحٍ متدرّج مع الذّات.
فالتّغيير في الرّواية لا يحدث فجأةً، ولا يأتي عبر حدثٍ خارجيٍّ صادمٍ، بل يتشكّل ببطءٍ من خلال الاعتراف، والشّك، والرّغبة الصّامتة في النّجاة.
haifacultureclub