نضال حايك: قراءة في كتاب “حيفا في ذاكرة برهوم”

نضال حايك
ليسَت المدن مجرَّد حجارة وخرائط. وليست اتِّجاهات أماكن تحدِّدها البوصلة. بل ذاكرة تتجوَّل في الشَّوارع والأَزقَّة. تحفظ ضحكات أُناسٍ غابت، وعبير أَيَّام ٍ مضت، تُعيدها إِلينا حين نعود إِليها ولَو بالخيال.
نتنهَّد، نأخذ شهيقًا عميقًا، نحاول استعادة وجوهٍ وأَشخاصٍ. الأَبواب القديمة تحفظ أسماءً لم تَعُد موجودة، وشرفات المنازل ما زالت تُخفي قصصَ عِشقٍ لم تَرْوِها بَعد. فالأَماكن التي لا يكتب عنها أهلُها تتحوَّل إِلى غبار، لكن المدن ليست غبارًا في الذَّاكرة، بل سؤال مستمر: مَن يُريد أَن يتذكَّر؟ تُجيبُ المدينة: أَنا هنا في الذاكرة … كي لا أُنسى!
كتاب (حيفا في ذاكرة برهوم … كي لا تُنسى)
لِلكاتب الدكتور خالد تركي
إصدار مكتبة كل شيء في حيفا
الطبعة الأولى 2019
الجزء الأَوَّل
الكتاب بغلافه ذي الّلون المائل إلى الاحمرار ليس رواية تقليديَّة، بل سيرةً توثيقيَّة سرديَّة، تقوم على ذاكرة الأب ‘برهوم’ الذي عاش وولد في مدينة حيفا. الكتاب يلامس طبقة عميقة من الأدب الذي يُسمَّى “أَدب الذَّاكرة” ذلك الأَدب الذي يحاول أن يحفظ المكان من الضَّياع، كما تُحفظ القصيدة لحظة من الزمن وتخَلِّدها..
حيث يعتمد الكاتب على شهادات والده الشَّخصيَّة، وعلى مصادر تاريخيَّة استقاها من مذكرات شخصيَّات عاشت في المدينة أَهمَّها كتاب “الذكريات” للطَّبيب اللبنانيِّ قيصر خوري الذي عاش في حيفا عقودًا، ومن صحفٍ فلسطينيَّة قديمة، كانت تُطبع وتوزَّع في حيفا وغيرها من المدن، ومِن كتبٍ عن المدينة، مثل كتاب “تاريخ حيفا” للكاتب الصَّحفيِّ جميل البحري. بذلك يصبح الكتاب مزيجًا من السِّيرة الشَّخصيَّة والتَّاريخ الاجتماعيِّ للمدينة..
ينطلق الكاتب من فكرة أَساسيَّة، أَنَّ الذَّاكرة مهدَّدة بالضَّياع إِن لم تُدوَّن لذلك يسارع إلى تسجيل ما يرويه والده قبل أن يضيع مع الزمن، فالتَّاريخ الشَّفويُّ ضروريٌّ ّلِلحفاظ على الهُويَّة..
تظهر المدينة في الكتاب، مفتوحة على البحر، متعدِّدة الثَّقافات، نابضةً بالحياة، أكثر من ثلاثين مدرسة للبنات والبنين، كنائس وجوامع، دور السِّينما، ودور نشر لصحفٍ مثل الاتِّحاد، الكرمل، الجديد والغد وغيرهما تزخر بالنِّشاط الثَّقافيِّ والاقتصاديِّ، لِيؤكِّد أَنَّ حيفا كانت دائمًا مدينة زاخرة بالحياة، مزدهرةً، ومتعدِّدةً الثَّقافات، وهذا نمط معروف في أَدب الذَّاكرة، حيث تُصبح المدينة القديمة رمزًا لزمن البراءة الأُولى.
يستعيد الكاتب تفاصيل الحياة العائليَّة اليوميَّة، الترَّبية والتَّعليم، علاقات الجيرة، العمل، والتَّقاليد الاجتماعيَّة، وخاصَّةً بعد الأحداث التَّاريخيَّة الكبرى التي مرَّت بها المدينة. فهي لم تَعُد مجرَّد مكان جغرافيٍّ، بل أصبحت تُمثِّل الانقطاع بين زمنين، قبل وبعد: زمن الحياة الطَّبيعيَّة وزمن الانفصال التَّاريخيِّ عنها، في هذه اللحظة يتحوَّل المكان إلى جرح في الذَّاكرة، الفكرة العميقة في الكتاب أَنَّ المدينة لم تختفِ، بل لا تزال موجودة، لكن في طبقة مختلفة من الوجود. يمكن القول أَنَّ هناك نوعين من المدن: المدن الواقعيَّة والمدن التي تعيش في الذَّاكرة، وفي هذا تتجلَّى المدينة الذَّاكرة بوصفها أكثر حياة من المدينة الحقيقيَّة..
الجزء الثَّاني
يستعرض الكاتب أَحداث الحرب العالميَّة الثَّانية وتأثيرها على المدينة، مرحلة القصف الجويِّ، الوجود العسكريِّ البريطانيِّ، واستهداف منشآت النَّفط والميناء. ويتحدَّث عن مظاهر المقاومة والعمل الوطنيِّ من حيث التَّنظيمات السِّياسيَّة، العمل النَّقابيِّ، التَّضامن الشَّعبيِّ، ودور المثقَّفين، وخاصَّةً الشُّيوعيِّين، حيث برزت شخصيَّات وطنيَّة شاركت في العمل الوطنيِّ. ثمَّ يتحدَّث عن الصَّدمة التَّاريخيَّة، النُّزوح، وتبدُّل الحياة الاجتماعيَّة، هنا يتحوَّل النَّص إلى ذاكرة أَلمٍ جماعيَّة..
ينتهي الكتاب بصورة رمزيَّة لحيفا، مدينة حيَّة، تتنفَّس، تفرح، تحزن لرحيل أَبنائها. هذا الأسلوب يجعل المدينة أَقرب إلى شخصيَّة أَدبيَّة داخل النَّصِّ، وبذلك تصبح المدينة بطلة الكتاب الحقيقية، وما عداها ليسوا سوى رواة..
يعتمد الكاتب على التَّاريخ الشَّفويِّ، التَّوثيق التَّاريخيِّ، والسَّرد الأَدبيِّ باستخدام لغة أَدبيَّة تقترب أحيانًا من السِّيرة الرِّوائيَّة، وهذا المزيج يعطي النَّصَّ قيمةً توثيقيَّة وأَدبيَّةً معًا. فالذَّاكرة ليست مجرَّد حنين بل فِعل بقاءٍ حين تُروى الحكايات وتُحفظ التَّفاصيل، كأسماء الشَّوارع، المقاهي، البيوت والمدارس، فإِنَّ ذلك يمنع محو التَّاريخ، وهنا يتحوَّل السَّرد إِلى ما يُسمَّى في الدِّراسات الحديثة “أَدب الذَّاكرة” وهو أَدب يحاول إِنقاذ التَّاريخ من النِّسيان..
لا يركِّز النَّصُّ على السِّياسة فقط بل على الإِنسان، فالكاتب يحدِّثنا عن الحياة اليوميَّة للنَّاس وعن تفاصيل المدينة وهذا ما يمنحه صدقًا إِنسانيًّا واضحًا..
فالمدينة ليست مجرَّد مكان حيث يمكن تلخيص رمزيَّتها في ثلاث طبقات: مدينة الواقع التي عاش فيها النَّاس حياتهم، مدينة الذَّاكرة التي يعيش فيها الأَبناء عبر روايات الآباء، والمدينة الرَّمز للهُويَّة والاستمرار التَّاريخيِّ، فالمدينة ذاكرةٌ، هُويَّةٌ، وحياةٌ كاملةٌ، الكاتب يقول: المدن قد تتغيَّر في الجغرافيا، لكنَّها تبقى حيًّة في الذَّاكرة..
الجزء الثَّالث
لغة الكتاب تجمع بين السَّرد التَّاريخيِّ، الانفعال العاطفيِّ، والنَّبرةِ الوطنيَّةِ لكنَّها تبقى في معظمها لغةً واضحةً مباشرةً وغير متكلِّفة.
برهوم في الكتاب ليس مجرَّد شخص، بل يتحوَّل إلى رمز سرديٍّ لِذاكرة أَهل حيفا. يظهر بوصفه الأَب، الشَّاهد على التَّاريخ، الرَّاوي الأَساسي للذِّكريات. الكاتب يعتمد عليه كمصدر الذَّاكرة الشَّفويَّة وهنا تتحقَّق وظيفة مهمَّة في الأدب التَّاريخيِّ: تحويل الشَّهادة الفرديَّة الى وثيقة إِنسانيَّة، مع تقدُّم السَّرد تتجاوز شخصيَّة برهوم بعدها من الفرديِّ، فيصبح برهوم مرآةً لِمدينة حيفا. كلُّ ما يتذكَّره برهوم أَحياءَ المدينة ، مدارسها، شوارعها، ميناءها، وناسها ، فهي ليست مدينة فقط، بل ذاكرة تطلُّ من نافذة البحر، يمرُّ النَّاس، وتبقى الأزقَّة، تحصي خُطى الغائبين كلُّ حجر يعرف اسمًا، وكلُّ باب ينتظر يدًا تطرقه، والبحر لا يزال يحفظ أَسماء الصَّيَّادين، والرِّيح تقلب صفحات الغُيَّاب، فالمدينة تقول: لا تخافوا النِّسيان، فالمدن التي تحبُّها القلوب لا تغيب هي فقط تقيم في الذَّاكرة..
الميزة اللافتة في هذه الشَّخصيَّة أَنَّها ليست زعيمًا سياسيًّا، ولا قائدًا عسكريًّا، بل هو إِنسانٌ عاديٌّ، وهذا اختيارٌ ذكيٌّ من الكاتب. لأَنَّ الرسالة تصبح:
التَّاريخ الحقيقيُّ يصنعه حياة النَّاس البسطاء، وهذا اتِّجاه معروف في التَّاريخ الاجتماعيِّ الحديث، بهذا المعنى يصبح برهوم جسرًا بين زمنين، زمن الحياة الطَّبيعيَّة وزمن الانكسار التَّاريخيِّ، فيتحوَّل إِلى حارس الذَّاكرة التي هي أَحد أَشكال البقاء. فالعلاقة بين الكاتب ووالده ليست مجرَّد علاقة عائليَّة بل انتقال الذَّاكرة بين الأَجيال، فالكاتب هنا كالتِّلميذ يتلقَّى المعلومات التَّاريخيَّة، وكالمؤرِّخ الذي يسجِّلها ويحفظها على الورق، وكالحارس الجديد للذَّاكرة، ينقلها للأَجيال القادمة..
من النَّاحية الفنيَّة نجح الكاتب في تحويل شخصيَّة برهوم إلى رمزٍ تاريخيٍّ وتحويل السِّيرة الشَّخصيَّة إلى تاريخ مدينة وتحويل الحكاية العائليَّة إِلى وثيقة تاريخيَّة وهذا من أَهمِّ إِنجازات الكتاب..
الخُلاصة: برهوم في الكتاب يُمثِّل الأب (إِبراهيم)، شاهد التَّاريخ، ابن حيفا، وذاكرة المدينة. ولهذا يمكن القول إِنَّ برهوم ليس بطل كتابٍ فحسب، بل هو ذاكرة مدينة كاملة..
ملحوظة:
الكاتب هو خرِّيج جامعات الإتِّحاد السُّوفييتي، كلِّيَّة الصَّيدلة، جامعة زاباروجيا، أُكرايينا، عام أَلفٍ وتسعمائةٍ وستَّةٍ وثمانين، وكذلك حاصل على دبلوم سياحة وتاريخ مع مرتبة الشَّرف من جامعة بيت لحم عام أَلفين وأَربعة عشر، وهو عضو في جمعيَّة خرِّيجي الجامعات النَّاطقة باللغة الرُّوسيَّة وعضو في المركز الثَّقافيِّ الرُّوسيِّ، وكذلك هو عضو في المركز الفلسطينيِّ للدِّراسات وحوار الحضارات، من رواياته “من بيت لحم إِلى موسكو”، “عند منتصف الليل”، “جرحٌ لا يندمل”..

تعبّر هذه المواضيع المنشورة عن آراء كتّابها، وليس بالضّرورة عن رأي الموقع أو أي طرف آخر يرتبط به.